بنتي مريضة داوان حكايات منى السيد
بعد ذلك اليوم، بدأت الأحداث تتسارع بشكل لم أكن أتخيله. وكيف ساهمت إسورة ورقية صغيرة في كشف الحقيقة. لكن وسط كل الضجيج، وعناوين الأخبار، والمحاكمات، كان هناك عالم آخر داخل بيتنا الصغير في المنصورة... عالم بعيد عن المحاكم والقوانين، عالم تعيش فيه أم بين مشاعر متناقضة، وابنة لا يشغلها سوى أن تسألني كل صباح بابتسامتها البريئة:
"البيبي كبر قد إيه النهاردة يا ماما؟"
كان القرار الطبي بشأن الحمل هو أصعب محطة مررنا بها. أختي وبعض المقربين ظلوا يرون أن إنهاء الحمل هو الحل، لكن بعد الفحوصات الشاملة واجتماع لجنة طبية من أطباء النساء والطب النفسي والوراثة، جاء التقرير حاسمًا. أوضح الأطباء أن الحمل وصل إلى مرحلة متقدمة، وأن أي تدخل في هذا التوقيت قد يشكل خطرًا كبيرًا على صحة رحمة، كما أكد التقرير النفسي أن ذلك قد يسبب لها اضطرابًا نفسيًا شديدًا، لأنها أصبحت تنظر إلى الجنين ببراءتها على أنه هدية تنتظرها.
جلست بجوارها في تلك الليلة وهي نائمة، أمسكت يدها ودعوت الله أن يرشدني إلى الصواب. وفي تلك اللحظة اتخذت قراري؛ صحة رحمة وسلامتها النفسية ستكون دائمًا الأولوية، ولن أسمح لأي شيء أن يحرمها من الأمان الذي تستحقه. سأظل سندها وأمها التي تحميها مهما كانت الظروف.
مرت الشهور، وكانت في الوقت نفسه طويلة وسريعة.
بدأ بطن رحمة يكبر تدريجيًا، وتوقفت عن الذهاب إلى المدرسة والجلسات الخارجية، فأصبحت الأخصائية تزورها في المنزل، كما حصلت على إجازة مفتوحة من عملي حتى أتفرغ لها بالكامل.
كانت رحمة تعيش فرحة بسيطة وعفوية. كنت أستيقظ فأجدها تقف أمام المرآة، تبتسم لبطنها وتقول:
"صباح الخير يا بيبي... يلا نشرب اللبن."
كنت أراقبها بصمت، وقلبي يمتلئ بمشاعر يصعب وصفها؛ حزن على ما مرت به، وفي الوقت نفسه دهشة من نقاء قلبها وحبها لطفلة
وبعد انتهاء الإجراءات، توجهت مباشرة إلى المستشفى، فقد اقترب موعد الولادة.
في الشهر التاسع، دخلت رحمة غرفة العمليات لإجراء ولادة قيصرية كانت مقررة مسبقًا حفاظًا على سلامتها. جلست في الممر أدعو الله، وكانت تلك أطول ساعة مرت عليّ في حياتي.
ثم سمعت أخيرًا أول بكاء لطفلة صغيرة يملأ المكان.
خرجت الطبيبة مبتسمة وقالت:
"مبروك يا مدام منى... رحمة بخير، وربنا رزقكم ببنوتة جميلة."
لم أتمالك دموعي.
دخلت إليها بعدما استعادت وعيها، فنظرت إليّ وسألت بصوت ضعيف:
"ماما... فين البيبي؟"
أحضرت الممرضة الصغيرة ووضعتها بين ذراعي رحمة.
كانت لحظة لا يمكن أن أنساها ما حييت.
نظرت رحمة إلى الطفلة بعينين تملؤهما الدموع، ثم مدت إصبعها الصغير، فأمسكت الطفلة به بفطرتها البريئة.
ابتسمت رحمة وقالت:
"ماما... دي صغيرة أوي... زي عروستي، بس بتتنفس."
وأطلقنا عليها اسم "فريدة".
ولدت فريدة بصحة جيدة، وكانت نعمة كبيرة أنارت بيتنا كله، وأعادت إليه الحياة بعد سنوات طويلة من الحزن.
مرت الأيام، ثم الشهور، ثم السنوات.
كبرت رحمة، وكبرت فريدة معها. امتلأ البيت بالضحكات والحركة بعد أن كان يغلب عليه الصمت.
وكانت رحمة، بكل براءتها، مثالًا رائعًا للعطاء والحنان. كنت أساعدها في كل خطوة، فأنا الأم الكبيرة، وهي الأم الصغيرة.
كانت تسهر بجوار فريدة إذا ارتفعت حرارتها، وتشاركها ألعابها، وتمشط شعرها وهي تغني لها أغاني الطفولة التي تحبها.
واليوم، أصبحت فريدة في عامها الثاني تقريبًا، تركض في أرجاء المنزل وهي تنادي:
"ماما..."
فتجري رحمة خلفها وهي تضحك، فتملأ ضحكتها البيت كله بالحياة.
وفي كثير من الليالي، بعدما ينام الجميع، أفتح درجًا صغيرًا وأخرج منه العلبة المعدنية القديمة.
ما زالت الإسورة الورقية محفوظة بداخله.
كانت يومًا رمزًا ليوم صعب لن أنساه، لكنها أصبحت أيضًا رمزًا لانتصار الحقيقة، ولسبب كشف شخص أساء إلى آخرين، وللنور الذي دخل بيتنا مع قدوم فريدة.
أنظر إلى رحمة وهي نائمة، وفريدة بين ذراعيها، وعروستها القماشية القديمة بجوارهما، فأشعر بسكينة تملأ قلبي.
أقترب منهما، أغطيهما بهدوء، ثم أهمس في أذنها:
"أنتِ مش بس اسمك رحمة... أنتِ فعلًا رحمة من ربنا لينا كلنا."