أغرب حادثة طيران فى التاريخ

لمحة نيوز

كانت السماء فوق مدينة "آخن" الألمانية الغربية صبيحة الرابع من سبتمبر (أيلول) عام 1954 رماديةً باردة، تُغطيها طبقة كثيفة من الغيوم المنخفضة التي اعتاد عليها سكان المدينة. في مطار المدينة الصغير، كانت الطائرة الألمانية التابعة لشركة "سانتياغو" للطيران، من طراز "كونستليشن" المروحية الشهيرة، تتأهب للإقلاع في رحلة روتينية عبر المحيط الأطلسي، متجهة نحو مدينة سانتياغو في تشيلي.

تألف طاقم الطائرة من أربعة أفراد على رأسهم الكابتن "ميغيل فيكتور كيري"، وهو pilot خبير قضى آلاف الساعات في الجو، ويعرف تقلبات المحيط الغاضب عن ظهر قلب. بينما كان على متن الرحلة 88 راكباً، ليكون إجمالي عدد الأرواح على الطائرة 92 شخصاً. صعد الجميع، أُغلقت الأبواب الفولاذية، ومخرت الطائرة عباب السماء بعد أن ارتفعت زئير محركاتها الأربعة.

مرت الساعات الأولى من الرحلة هادئة، وشيرت التقارير اللاسلكية الأولى إلى أن كل شيء يسير وفق الخطة. ولكن، بمجرد أن تجاوزت الطائرة نقطة معينة في منتصف المحيط الأطلسي—حيث يتداخل الضباب اللانهائي مع زرقة الماء—انقطع الاتصال فجأة. اختفت إشارة اللاسلكي، ولم تُسجل الرادارات البدائية في ذلك الوقت أي أثر للطائرة. انطلقت رحلات البحث والإنقاذ للسفن والطائرات العسكرية، واستمرت التفتيش لأسابيع دون جدوى. لم يتم العثور على بقعة زيت واحدة، ولا طوق نجاة، ولا حطام يُذكر. جرى إغلاق الملف رسمياً، وسُجلت الرحلة 513 كواحدة من الألغاز المأساوية للمحيط الأطلسي، وطُويت الصفحة في أرشيفات الطيران النسيان.

مرت عقود طويلة، وتغير وجه العالم.

انهار جدار برلين، وتطورت وسائل الاتصال، وفي الثاني عشر من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1989، وفي ظهيرة يوم مشمس فوق مطار مدينة "بورتو أليغري" في جنوب البرازيل، ساد الذهول كابينة برج المراقبة.
ظهرت على شاشات الرادار فجأة، ومن لا شيء، إشارة لطائرة تقترب من المجال الجوي للمطار دون أي إذن أو تبليغ مسبق. النظر عبر المناظير المكبرة كشف عن طائرة قديمة ذات طراز كلاسيكي أكل عليه الدهر وشرب، تدور ببطء وثبات فوق السماء. حاول موظفو برج المراقبة الاتصال بالطائرة مراراً وتكراراً على جميع الترددات، لكن لم يأتِ أي رد، سوى صوت الصمت اللاسلكي التام.

وبطريقة آليه مذهلة، عدلت الطائرة مسارها، ونزلت بمحاذاة مدرج الهبوط، ثم حطت بسلام ومثالية متناهية، واحتكت عجلاتها بالأرض لتتوقف في نهاية المدرج دون أن تُحدث أي خطأ في القيادة.

وقف العاملون في المطار في حالة من الصدمة. أُعلنت حالة الطوارئ القصوى، وسارعت سيارات الإطفاء وفريق أمني مسلح لإحاطة الطائرة الغريبة التي تحمل شعار شركة طيران اندثرت منذ عقود. تقدم المفتشون بحذر نحو السلم، وفتحوا الباب الرئيسي بعناية، ليصطدموا برائحة غبار عتيق وهواء بارد ساكن لم يتحرك منذ زمن طويل.

لكن الصدمة الحقيقية كانت في الداخل.

على المقاعد المترتبة بانتظام، كان يجلس 88 راكباً، لكنهم لم يكونوا أحياءً ولا جثثاً حديثة الفقد؛ بل كانوا 88 هيكلاً عظمياً مكتمل النمو، ما زالت بقايا الملابس الكلاسيكية من خمسينيات القرن الماضي تلتف حول عظامهم المتهالكة، وأحزمة الأمان مربوطة بإحكام حول أوساطهم. ساد الرعب بين أفراد الفريق

الأمني، لكن المفاجأة الأكبر كانت في كابينة القيادة: كان الهيكل العظمي للكابتن "ميغيل فيكتور كيري" يجلس في مقعد القائد، ويداه العظميتان ما زالتا تقبضان بإحكام على مقود الطائرة، وكأنه أدى مهمة الهبوط للتو!
انتشر الخبر كالنار في الهشيم داخل الأروقة المغلقة، وفرضت الحكومة البرازيلية سياجاً كتمانياً صارماً حول المطار والطائرة. احتجزت الجثث والأوراق، وسُحبت التسجيلات، وأُعلنت المنطقة سرياً للغاية.

أثار هذا التكتم غضباً عارماً بين العلماء والأكاديميين. كان البروفيسور والفيزيائي "رودريغو دي مانها" من أشد المطالبين للحكومة بضرورة إعلان الحقيقة للعلن، قائلاً في إحدى تصريحاته الجريئة: "إن إخفاء هذه الواقعة يعد جريمة بحق العلم والإنسانية؛ فلو ثبت أن هذه الطائرة عبرت طفرة زمنية أو انحناءً في الفضاء، فإن ذلك سيغير كل ما نعرفه عن قوانين الفيزياء والكون".

من جانبه، طرح الدكتور "سيلسو أتيليو"، الباحث في علوم ما وراء الطبيعة والفيزياء النظرية، فرضية شجاعة مفادها أن الطائرة قد دخلت في "ثقب دودي" (Wormhole) أو جسر زمني في عرض المحيط عام 1954، مما أدى إلى قفزها عبر البعد الرابع لتخرج في عام 1989. ولكن حتى الدكتور "أتيليو" وقف عاجزاً أمام المعضلة البيولوجية والفيزيائية الأكبر: كيف تحول الركاب إلى هياكل عظمية؟ وكيف استطاع هيكل عظمي بلا دماغ أو أعصاب أو حواس أن يوجه طائرة ضخمة ويهبط بها بدقة متناهية على المدرج؟

هنا يأتي دور الفيزياء الحديثة لمحاولة تفكيك هذا الغموض. تعود جذور هذه المفاهيم إلى عام 1935، عندما نشر العالم "ألبرت

أينشتاين" بالتعاون مع زميله "ناثان روزن" ورقة بحثية أثبتت وجود ممرات теоретиية تُعرف اليوم بـ "جسور أينشتاين-روزن".
تشير هذه النظرية ضمن النسبية العامة إلى أن نسيج الزمان والمكان (الزمكان) ليس مسطحاً وصارماً، بل يمكن أن ينحني ويتمدد. وفي حالات خاصة، يمكن أن تتشكل بوابات تربط بين نقطتين تفصل بينهما ملايين السنين الضوئية أو عقود من الزمن.

المادة الغريبة (Exotic Matter): يفترض الفيزيائيون أن استقرار هذه الثقوب يستلزم وجود مادة ذات طاقة سلبية.

الإشعاع والتحلل: الممرات الزمانية ممتلئة بإشعاعات عالية الطاقة وسحق جرافيتوني. يعتقد البعض أنه إذا مرت الطائرة عبر هذا الجسر، فإن المادة الحيوية (الأنسجة واللحم) قد تكون تعرضت لتفكيك إشعاعي مجهري سريح جداً تحللت على أثره الجثث في ثوانٍ معدودة، بينما بقيت العظام البنيوية متماسكة.

الذاكرة العضلية والمجال الكهرومغناطيسي: أما عن الهبوط المذهل، فيفترض بعض علماء الطاقة أن الطائرة ربما ظلت تعمل على نظام القيادة الآلي المكتمل كهرومغناطيسياً، أو أن الطائرة نفسها حوصرت في جيب زمني حافظ على "القصور الذاتي" لللحظة الأخيرة التي اتخذها الكابتن قبل دخوله الثقب.

تبقى حادثة الرحلة 513—سواء كانت حقيقة جرى التكتم عليها في دهاليز السياسة الدولية، أو أسطورة خيال علمي حبكها كاتب مجهول ليختبر قدرتنا على التفكير—رمزاً صارخاً للحدود الفاصلة بين ما نعرفه وما نجهله. إنها تذكرنا دائماً بأن هذا الكون أوسع بكثير من مدركاتنا الحسية الضيقة، وأن ما نعتبره اليوم خيالاً مستحيلاً، قد يكون غداً مجرد

قانون فيزياء كلاسيكي ينتظر من يكتشفه.
 

تم نسخ الرابط