وأنا بحمّم بنتي اللي عندها 6 سنين
أختي سابتلي بنتها الصغيرة 3 أيام وقالتلي كل اللي محتاجه شوية كرتون وأكل خفيف لكن أول ليلة، لما حطيت قدامها طبق لحمة وخضار سخن، بصتلي وهي بترتعش وسألتني يا خالو هو أنا مسموحلي آكل النهارده؟
اسمي رؤوف.
عايش في القاهرة.
وأختي منى كلمتني قبلها بيوم وقالت إنها عندها شغل مهم في إسكندرية ومحتاجة حد يقعد مع بنتها ريم كام يوم.
3 أيام بس.
قالتها بسرعة وهي ماسكة موبايلها.
عشا خفيف، بلاش حلويات كتير، وخلي بالك منها.
ريم كانت عندها 5 سنين.
واقفة لازقة في رجل أمها.
الغريب إنها ما كانتش بتعيط.
كانت بس ماسكاها جامد.
كأنها خايفة تسيبها لأي سبب.
منى باستها بسرعة في جبينها وقالتلها
خليكي مؤدبة وما تخلّيش ماما شكلها وحش.
وبعدين مشيت.
الباب اتقفل.
وريم فضلت واقفة تبص على السلم الفاضي.
ابتسمتلها.
تحبي نتفرج على كرتون؟
هزت راسها بالموافقة.
لكن قبل ما تقعد على الكنبة سألت
هو ينفع أقعد هنا؟
قلبي وجعني.
ضحكت وقلت
طبعًا يا حبيبتي ده بيتك.
ما ابتسمتش.
قعدت على طرف الكنبة.
ضهرها مستقيم.
وإيديها فوق رجليها.
كأنها في لجنة امتحان.
بعد شوية طلعتلها ألوان.
فجأة سألت
هو ينفع أستخدم الأحمر؟
آه.
والأزرق؟
آه.
ولو غلطت؟
سكت ثانية.
وقلت
نمحي الغلط ونرسم تاني.
بصتلي كأني قلت حاجة مستحيلة.
طول اليوم كانت بتستأذن في كل حاجة.
تشرب مية.
تدخل الحمام.
تجري شوية.
تضحك.
حتى كانت بتستأذن قبل ما تلمس مخدة من على الكنبة.
افتكرت إنها مكسوفة.
أو مشتاقة لأمها.
لكن وقت العشا فهمت إن الموضوع أكبر من كده بكتير.
كنت عامل طاجن لحمة بالخضار ورز.
ريحة الأكل مالية البيت.
حطيتلها طبق صغير قدامها.
لكنها ما اتحركتش.
ولا لمست المعلقة.
بصت للأكل بس.
قلت بلطف
كليه قبل ما يبرد.
فضلت ساكتة.
كتافها اتشدت.
كأنها مستنية حد يزعق فيها.
سألتها
مش جعانة؟
نزلت عينيها للأرض.
وبصوت واطي جدًا قالت
هو أنا مسموحلي آكل النهارده؟
حسيت حاجة تقيلة نزلت على صدري.
إيه يعني مسموحلك؟
ضغطت صوابعها على رجليها وقالت
مش عارفة يمكن مش دوري النهارده.
الدم ساق من وشي.
لكن حاولت أبتسم علشان ما أخوفهاش.
يا ريم إنتِ دايمًا مسموحلك تاكلي.
أول ما سمعت الجملة دي
انهارت.
فضلت تعيط.
مش عياط دلع.
عياط حد شايل حمل أكبر منه بكتير.
حطت إيديها على بقها.
كأن حتى العياط ممنوع.
قربت منها بهدوء.
إنتِ معملتيش حاجة غلط.
هزت راسها.
عملت.
إيه؟
استنت شوية طويلة.
وبعدين همست
كنت جعانة.
ساعتها حسيت نفسي مش قادر أتنفس.
سألتها
مين قالك إن الجوع غلط؟
بصت ناحية الموبايل اللي على السفرة.
كأن حد بيراقبها.
وقالت
ماما بتقول إن البنات المؤدبة ما تطلبش حاجة.
بلعت ريقي بالعافية.
ولو طلبتي؟
دموعها نزلت تاني.
يبقى يوم المية.
سكت البيت كله.
حتى صوت التكييف اختفى.
يعني إيه يوم المية؟
يعني أشرب مية بس.
حسيت نار طلعت في جسمي.
مين بيقول كده؟
همست
شريف.
شريف كان صاحب أختي.
الراجل المثالي قدام الناس.
اللي دايمًا جايب ورد.
واللي بيقول إنه بيحب ريم كأنها بنته.
لكن فجأة الصورة كلها اتشققت.
سألتها
شريف بيمنع عنك الأكل؟
اتخضت.
بلاش تقول لماما.
ليه؟
عشان ماما بتقول إنه هو اللي بيصرف علينا.
دفعت الطبق ناحية ريم.
كلي يا حبيبتي محدش هنا هيمنع عنك الأكل.
مسكت المعلقة بإيد بترتعش.
وأكلت.
أول معلقة.
وبعدين التانية.
وبعدين بدأت تاكل بسرعة مرعبة.
كأن حد ممكن يخطف منها الطبق.
بالراحة يا ريم.
لكنها ما كانتش قادرة توقف.
كانت بتعيط وهي بتاكل.
وأنا واقف أتفرج على طفلة عندها خمس سنين بتتصرف كأنها ما شافتش أكلة محترمة من أيام.
بعد ما خلصت الطبق سألتني سؤال كسرني.
هو هتخليني آكل بكرة كمان؟
ماعرفتش أرد.
ولأول مرة
سيبت نفسها .
لكن جسمها كان متخشب.
كأنها مش متعودة من غير خوف.
بالليل لبستها بيجامة نظيفة.
وشغلتلها أباجورة صغيرة.
وأنا خارج من الأوضة نادت عليا.
يا خالو.
نعم؟
إنت هتقفل الباب؟
لا هسيبه مفتوح لو تحبي.
وفجأة وشها ارتاح.
وقالت
ومش هتحط الكرسي؟
اتجمدت مكاني.
كرسي إيه؟
اتوترت فورًا.
وسحبت اللحاف فوق وشها.
ولا حاجة.
قربت منها.
مين بيحط كرسي قدام باب أوضتك؟
ما ردتش.
بس بدأت تترعش.
استنيت لحد ما نامت.
الساعة كانت قربت على 12 بالليل.
كلمت أختي.
ما ردتش.
بعتلها رسالة
لازم نتكلم بخصوص ريم الموضوع خطير.
برضه ما ردتش.
فروحت أجيب هدوم من شنطتها.
لقيت تيشيرت.
شراب.
وفرشة أسنان.
بس.
وفي آخر الشنطة
لقيت ورقة متنية جوه كراسة تلوين.
فتحتها.
كانت مكتوبة بخط شخص كبير
الإثنين مفيش عشا.
الثلاثاء مية بس.
الأربعاء عيش لو سمعت الكلام.
الخميس ممنوع كلام.
الجمعة حبس في الأوضة.
إيدي بدأت تترعش.
وفي آخر الورقة
بخط طفولي متلخبط وبقلم بنفسجي
كانت ريم كاتبة
أنا بحاول أكون شاطرة بجد.
قعدت على الأرض.
مش عارف أعيط.
ولا أكسر الدنيا.
ولا أروح أجيب أختي من شعرها.
وفجأة
الموبايل رن.
كانت منى.
رديت فورًا.
صرخت فيها
إنتوا عملتوا إيه في البنت؟
سكتت.
وبعدين سمعت صوت نفسها بيقطع.
وقالت
يا رؤوف أوعى ترجعها البيت.
وقفت مكاني.
إيه اللي بيحصل؟
انهارت في العياط.
وقالت
شريف ما يعرفش إنها عندك أنا قلتله إنها عند جارتي.
اتسمرت.
ليه؟
همست
عشان امبارح لقيت كاميرا متخبّية في أوضتها.
قلبي وقف.
كاميرا؟ في أوضة ريم؟
آه.
طب ما بلغتيش الشرطة ليه؟
صوتها اتكسر.
عشان الكاميرا ما كانتش أبشع حاجة لقيتها.
في اللحظة دي
سمعت صرير خفيف فوق.
بصيت ناحية السلم.
لقيت ريم واقفة حافية.
حاضنة عروستها.
وشها أبيض زي الورق.
وقالت بصوت مرتعش
يا خالو
نعم يا حبيبتي؟
هو جه.
شعر دراعي وقف.
مين؟
وفي نفس اللحظة
سمعنا 3 خبطات تقيلة على باب الشقة.
ومن الناحية التانية من الخط
أختي صرخت
ما تفتحش الباب!
لكن كان فات الأوان.
لأن صوت شريف وصلنا من ورا الباب.
هادئ جدًا.
ومخيف جدًا.
وقال
يا رؤوف أنا عارف إن ريم عندك. جيت آخد بنتي.
وساعتها
خدت بالي من حاجة ما كنتش شايفها
يتبع
اتجمدت في مكاني.
مش بسبب صوت شريف.
لكن بسبب الحاجة اللي أخدت بالي منها فجأة.
ريم كانت واقفة على أول درجة في السلم.
وفي إيديها الورقة البنفسجي.
نفس الورقة اللي لقيتها في الشنطة.
لكن كان في ضهرها كتابة تانية ما شفتهاش قبل كده.
كتابة صغيرة جدًا.
كأن حد كتبها بسرعة وخبّاها.
قبل ما أقدر أسألها عنها، رجع شريف يخبط على الباب.
المرة دي أقوى.
يا رؤوف افتح. البنت مرعوبة ومحتاجة ترجع بيتها.
بصيت لريم.
أول ما سمعت صوته، جسمها كله اتشنج.
وراحت مستخبية ورايا فورًا.
ساعتها عرفت إن أي كلام هيقوله الراجل ده ملوش قيمة.
رفعت الموبايل على ودني.
منى إنتِ فين دلوقتي؟
قالت وهي بتنهج
أنا جاية القاهرة فاضلي أقل من ساعة.
والشرطة؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
بلغت.
الخبط وقف فجأة.
وده كان أسوأ من الخبط نفسه.
السكوت اللي برا الباب كان مرعب.
قربت من العين السحرية أبص.
الممر كان فاضي.
شريف اختفى.
لكن وأنا راجع لقيت ريم بتشد هدومي.
يا خالو
نعم؟
مدتلي الورقة.
اقرأ الضهر.
فتحتها.
وكان مكتوب بقلم رصاص باهت
لو اختفيت دوروا في المخزن.
حسيت قلبي دق بعنف.
مين كتب ده؟
ريم بصت للأرض.
أنا.
إنتِ؟
هزت راسها.
بس شريف كان بيقول إني بنسى فكتبت علشان ما أنساش.
سألتها بهدوء
مخزن إيه؟
بدأت دموعها تنزل.
الأوضة اللي تحت.
تحت فين؟
تحت البيت.
في اللحظة دي سمعنا صوت رسالة على الموبايل.
رقم مجهول.
فتحتها.
صورة.
مجرد صورة واحدة.
لكنها خلت الدم يتجمد في عروقي.
كانت صورة لباب معدني قديم.
وعليه رقم 7.
وتحت الصورة مكتوب
ابعد عن الموضوع علشان البنت تفضل بخير.
قبضت على الموبايل بقوة.
وريم كانت بتبص للشاشة.
أول ما شافت الباب شهقت.
واتراجعت خطوتين.
هو ده!
إيه؟
ده المخزن.
نظرتلها بسرعة.
متأكدة؟
هزت راسها بعنف.
شريف كان بينزل هناك.
صوت أسانسير العمارة اشتغل فجأة.
وبعدين وقف في دوري.
أنا وريم بصينا لبعض.
وفي ثواني
سمعنا خطوات بطيئة خارجة من الأسانسير.
خطوة
خطوة
خطوة
حد بيتحرك ناحية شقتي.
ومع كل خطوة
كان الخوف بيزيد.
لكن قبل ما يوصل للباب بلحظة
رن جرس الشقة.
مرة واحدة.
ثم مرتين.
ثم ثلاث مرات متتالية.
ونفس اللحظة وصلني تسجيل صوتي من منى.
فتحته بسرعة.
وجالي صوتها المرتعش
يا رؤوف لو اللي برا الباب شريف، متفتحش مهما حصل لأن شريف دلوقتي موجود عند قسم الشرطة.
وساعتها فقط
عرفت إن الشخص اللي واقف قدام باب شقتي
مش شريف تجمدت إيدي فوق مقبض الباب.
الكلمات كانت لسه بتتردد في دماغي
شريف موجود في قسم الشرطة.
يبقى مين اللي واقف برة؟
جرس الباب رن تاني.
مرة واحدة طويلة.
وبعدين سكون.
قربت من العين السحرية ببطء.
قلبي بيدق بعنف.
بصيت
وما شفتش حد.
الممر كان فاضي.
رجعت خطوة لورا.
وفي اللحظة دي
سمعت صوت خبط خفيف جدًا.
مش على باب الشقة.
على باب السلم المؤدي للسطح.
خبطتين.
وبعدين خبطتين تاني.
كأن حد بيبعت إشارة.
ريم شهقت فجأة.
ولزقت في رجلي.
يا خالو
نعم؟
هو بيعمل كده.
مين؟
الراجل اللي كان بينزل المخزن.
اتسمرت مكاني.
إنتِ شفتيه قبل كده؟
هزت رأسها بسرعة.
مرة واحدة.
مين هو؟
فتحت بقها علشان
ترد
لكن
صوت شيء ثقيل وقع فوق السطح قطع كلامها.
دووووم!
اهتزت الشقة كلها.
جريت أقفل باب الشقة بالمفتاح والسلسلة.
وفي نفس اللحظة وصلني اتصال من رقم غريب.
رديت فورًا.
صوت راجل كبير في السن قال
الأستاذ رؤوف؟
أيوة.
أنا البواب القديم للعمارة اللي كانت ساكن فيها أختك.
اتخضيت.
خير؟
صوته كان متوتر جدًا.
البنت عندك؟
آه.
تنفس براحة.
وبعدين قال جملة خلت جسمي يقشعر
خلي بالك منها كويس لأن قبل ما أمشي من الشغل بشهر، شفت حد خارج بيها من المخزن تحت العمارة الساعة اتنين الفجر.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
مين؟
ما شفتش وشه.
وإيه اللي حصل؟
سكت ثواني.
وبعدين قال
البنت كانت نايمة على كتفه.
بلعت ريقي.
وبعدين؟
تاني يوم سألتها لو كانت تعبانة.
قالت إيه؟
قالتلي جملة عمري ما نسيتهاش.
سكت الرجل.
كأنه مش قادر ينطق.
صرخت
قالت إيه؟!
رد بصوت منخفض
قالت أنا لما بصحى في المخزن، ببقى فاكرة إني حلمت.
في نفس اللحظة
ريم شدت طرف قميصي.
وبصت ناحية الشباك.
وشها اتحول للون الأبيض.
ورفعت صباعها المرتعش.
يا خالو
لفيت بسرعة.
ستارة البلكونة كانت بتتحرك.
مع إن كل الشبابيك مقفولة.
ووراء الستارة مباشرة
كان ظاهر ظل شخص واقف في البلكونة.
شخص ساكن تمامًا.
كأنه كان واقف هناك من البداية
وبيسمع كل كلمة بنقولها شهقت والتفت بسرعة.
العصاية في إيدي ارتفعت تلقائيًا.
لكن الصالة كانت فاضية.
مافيش حد.
ولا أي حركة.
ريم صرخت وجرَت استخبت ورا الكنبة.
أما أنا ففضلت أبص في كل ركن.
المطبخ.
الممر.
باب الحمام.
كل حاجة كانت مقفولة.
رجعت أبص للصورة مرة تانية.
كبرتها.
وكان ساعتها إنعكاس الشخص أوضح.
مش واقف ورايا بالضبط
كان واقف عند آخر الممر.
مكان ما بيبدأ السلم الداخلي المؤدي للسطح.
وفجأة افتكرت.
البيت ده قديم.
وفيه باب صغير فوق السلم محدش بيستخدمه تقريبًا.
باب بيطلع لمساحة تخزين ضيقة بين السقف والسطح.
مكان كنت ناسي وجوده أصلًا.
وفي اللحظة دي
سمعنا صوت خربشة خفيفة جاية من فوق.
خربشة
ثم خبط خفيف.
ثم سكون.
رفعت الموبايل وصورت السلم من بعيد.
وكبرت الصورة.
وحسيت قلبي وقف.
الباب الصغير اللي فوق
كان مفتوحًا سنتيمترين.
مع إني متأكد إنه كان مقفول.
أخدت ريم ودخلتها أوضتي.
قفلت الباب.
وخليتها مع الموبايل.
لو حصل أي حاجة اتصلي برقم ماما فورًا.
هزت رأسها وهي مرعوبة.
طلعت السلم ببطء.
درجة
درجة
لحد ما بقيت قدام الباب.
الخربشة وقفت.
الصمت بقى خانق.
مديت إيدي.
ودفعت الباب.
صرررر
اتفتح ببطء.
والضلمة كانت مالية المكان.
شغلت كشاف الموبايل.
الضوء لف على صناديق قديمة وتراب متراكم.
ثم وقف على شيء في آخر الركن.
كرسي.
كرسي أطفال صغير.
مترب.
لكن عليه شيء غريب.
ورقة مثبتة بشريط لاصق.
قربت أكثر.
ونزعتها.
وكان مكتوب عليها
اسألها عن النجوم.
تجمدت.
النجوم؟
نزلت بسرعة عند ريم.
لقيتها قاعدة على السرير حاضنة عروستها.
وريتها الورقة.
أول ما قرأتها
وشها شحب.
وسألتها بهدوء
ريم إيه حكاية النجوم؟
بدأت صوابعها ترتعش.
ثم رفعت كم البيجامة ببطء.
على ذراعها الصغير
كانت فيه علامات نجوم مرسومة بقلم أسود.
نجمة واحدة.
نجمتين.
ثلاث.
وأرقام جنب كل واحدة.
حسيت الدنيا بتسود قدامي.
مين رسم ده؟
همست
كان بيعدهم.
مين؟
الراجل.
أي راجل؟
نزلت دمعة من عينها.
وقالت
كل مرة أنزل المخزن كان يحط نجمة.
صوتي خرج مبحوحًا
ليه؟
هزت رأسها.
ماعرفش.
لكن قبل ما تكمل
وصلت رسالة صوتية جديدة من الرقم المجهول.
فتحتها فورًا.
وفيها صوت رجل عجوز متوتر
لو سمعت الرسالة دي يبقى الوقت خلص. افتح الصندوق الأخضر قبل ما يوصلوا له.
ثم انقطع التسجيل فجأة.
أنا وريم بصينا لبعض.
لأن فوقنا مباشرة
في غرفة التخزين الصغيرة
كان يوجد صندوق واحد فقط لونه أخضر.
وفي نفس اللحظة
سمعنا صوت مفتاح يدور ببطء في باب الشقة الرئيسي من الخارج.
كأن شخصًا يملك نسخة من المفتاح
وكان يحاول الدخول الآن اتسمرت مكاني.
الظل ما اتحركش.
ولا سنتيمتر.
بس وجوده لوحده كان كفاية يخلي الدم يتجمد في عروقي.
سحبت ريم ورا ضهري بسرعة.
ومسكت أول حاجة وقعت تحت إيدي.
عصاية خشب صغيرة كنت محتفظ بيها جنب الباب.
ادخلي الأوضة واقفلي الباب من جوة.
ريم هزت رأسها بعنف.
لا متسبنيش.
قبل ما أقدر أرد
الستارة اتحركت تاني.
لكن المرة دي بسبب هواء دخل فجأة.
قربت بحذر.
خطوة
وخطوة
وكل عضلة في جسمي مشدودة.
ومرة واحدة
شديت الستارة.
البلكونة كانت فاضية.
مافيش حد.
لكن على الأرض كان في ظرف أبيض.
لسه جديد.
كأن حد حطه حالًا ومشي.
التقطته بسرعة.
ورجعت قفلت باب البلكونة بالمفتاح.
فتحت الظرف.
كان جواه مفتاح قديم صغير.
ومعه ورقة مكتوب عليها
لو عايز تعرف الحقيقة افتح المخزن رقم 7.
في اللحظة دي رن موبايل منى.
رديت فورًا.
منى، مين غير شريف يعرف موضوع المخزن؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
في شخص واحد.
مين؟
صاحب العمارة.
قطبت حاجبي.
ماله؟
صوتها بقى أضعف.
لما كنت بنقل حاجتي من الشقة القديمة، سمعته بيتخانق مع شريف بسبب أوضة تحت الأرض.
مخزن 7؟
سكتت.
وده كان كفاية يفهمني الإجابة.
وفجأة
ريم كانت واقفة تبص للمفتاح.
بعينين متسعتين.
أنا أعرف المفتاح ده.
نزلت لمستواها فورًا.
منين؟
قالت بصوت مرتعش
كان مع الراجل.
أي راجل؟
اللي كان بينزلني المخزن.
قلبي خبط بعنف.
شفتي وشه؟
هزت رأسها بالموافقة.
ولأول مرة منذ بدأت تحكي
قالت اسمًا.
اسمًا ما كنتش متوقعه أبدًا.
همست
الراجل ده كان عم محمد.
تجمدت.
عم محمد؟
حارس العمارة القديم.
الرجل الهادئ اللي كل السكان كانوا بيحبوه.
الرجل اللي مات من سنة كاملة
ودفنوه بنفسهم.
بصيت لريم وأنا حاسس إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
إنتِ متأكدة؟
هزت رأسها.
هو نفسه.
وقبل ما أتكلم
وصلتني رسالة جديدة من الرقم المجهول.
فتحتها.
وكان فيها صورة حديثة ملتقطة قبل دقائق.
صورة لشقتي من الخارج.
والأخطر
أن الصورة كانت موجهة نحو شباك الصالة.
يعني صاحبها لسه قريب جدًا.
لكن اللي خلاني أوقف أنفاسي فعلًا
إن الصورة أظهرت شيئًا لم ألاحظه.
في انعكاس زجاج الشباك
كان فيه شخص واقف داخل الشقة.
خلفي مباشرة.
بينما أنا وريم كنا لوحدنا تسمرت في مكاني.
صوت المفتاح وهو بيلف في الكالون كان واضح جدًا.
لفة
ثم لفة تانية.
لكن الباب ما اتفتحش.
السلسلة اللي ركبتها من جوه منعته.
ثواني من الصمت مرت.
وبعدين سمعنا نفس الشخص يجرب مفتاحًا آخر.
ريم كانت ماسكة إيدي بقوة لدرجة إنها وجعتني.
همست
يا خالو هو لاقانا.
رفعت إصبعي على شفايفي.
أطلب منها السكوت.
ثم سحبْتها معايا بهدوء ناحية السلم الصغير المؤدي لغرفة التخزين.
كان لازم أعرف إيه اللي جوه الصندوق الأخضر قبل ما اللي برا يدخل.
طلعنا بسرعة.
فتحت الباب الصغير.
ودخلت.
الكشاف اتحرك على الصندوق.
كان قديمًا ومغطى بالتراب.
لكن الغريب إن عليه قفل جديد نسبيًا.
نظرت للمفتاح اللي وصلني في الظرف.
وأدخلته.
دخل من أول مرة.
تك.
القفل اتفتح.
وفي نفس اللحظة
سمعنا صوت ارتطام قوي في باب الشقة الرئيسي.
كأن حد رماه بكتفه.
مرة.
ثم مرة تانية.
فتحت الصندوق بسرعة.
وفي البداية ظننت أنه مليان أوراق عادية.
لكن لما رفعت أول ملف
اكتشفت إنه مليان صور.
صور كثيرة.
مرتبة بالتواريخ.
وفي كل صورة طفل مختلف.
أولاد وبنات.
أعمارهم صغيرة.
وبجانب كل صورة ملاحظات مكتوبة بخط اليد.
شعرت بقشعريرة تسري في جسمي.
ثم وجدت صورة ريم.
كانت أصغر سنًا.
وفي أسفل الصورة مكتوب
تحب الرسم. تخاف من الظلام. لا تتكلم كثيرًا.
قبضت على الصورة بقوة.
ريم لم تفهم ما رأت.
لكنها اختبأت خلفي أكثر.
وتحت الصور كان يوجد دفتر أسود.
فتحته بسرعة.
أول صفحة كانت عبارة عن أسماء.
عشرات الأسماء.
ثم عناوين.
ثم ملاحظات.
وفي آخر صفحة
وجدت شيئًا لم أتوقعه.
اسم أختي منى.
لكن بجانبه كلمة واحدة فقط
حاولت الاعتراض.
في تلك اللحظة دوى صوت قوي أسفلنا.
ثم صوت تحطم.
نزلت الدماء من وجهي.
لقد انكسر الباب الرئيسي.
الشخص الذي بالخارج دخل الشقة.
توقفنا عن التنفس.
ثم سمعنا خطوات.
بطيئة.
هادئة.
تسير داخل الصالة.
كأن صاحبها يعرف المكان جيدًا.
خطوة
خطوة
خطوة
ثم توقف.
وبعد ثوانٍ
وصلنا صوته من أسفل السلم مباشرة.
صوت رجل لم أسمعه من قبل.
هادئ بصورة مرعبة.
وقال
أنا عارف إنكم فوق.
ثم ساد الصمت.
ثانية.
ثانيتان.
ثلاث.
وبعدها قال الجملة التي جعلت قلبي يهبط إلى قدمي
وخلي بالك يا رؤوف مش أنا اللي كنت مراقب ريم.
ثم بدأ يصعد السلم تراجعت خطوة للخلف وريم بذراع، والدفتر الأسود بالذراع الأخرى.
الخطوات كانت تقترب.
درجة
ثم درجة أخرى
الرجل لم يكن مستعجلًا.
وهذا ما جعله أكثر رعبًا.
لو كان مجرمًا هاربًا لركض.
لو كان خائفًا لتردد.
أما هو فكان يصعد وكأنه يعرف أنه سيصل إلينا في النهاية.
نظرت حولي بسرعة.
غرفة التخزين صغيرة.
لا يوجد مخرج.
ولا مكان للاختباء.
وفجأة تذكرت هاتفي.
اتصلت بالرقم الذي أرسل الرسائل المجهولة.
المرة الأولى لم يرد.
المرة الثانية
جاء الرد فورًا.
لكن لم يتكلم أحد.
سمعت فقط صوت أنفاس متوترة.
صرخت
مين أنت؟!
وجاءني الرد أخيرًا.
صوت رجل مسن.
افتح الصفحة الأخيرة من الدفتر.
قلبت الصفحات بسرعة.
كانت هناك ورقة مطوية ومخفية داخل الغلاف
الخلفي.
فتحتها.
وتجمدت.
كانت خريطة
بسيطة مرسومة بالقلم.
توضح مخازن العمارة القديمة.
وكل المخازن عليها أرقام.
ما عدا مخزن واحد.
كان مرسومًا عليه علامة X حمراء كبيرة.
وتحتها كلمتان فقط
الغرفة الحقيقية.
في تلك اللحظة وصل الرجل إلى أعلى السلم.
توقف خلف الباب مباشرة.
ثم قال بهدوء
لو كنتوا لقيتوا الدفتر يبقى لازم تسمعوني.
نظرت إلى ريم.
كانت ترتجف.
لكن المفاجأة أنها همست
أنا أعرف صوته.
التفت إليها فورًا.
مين؟
بلعت ريقها.
وقالت
كان بيحاول يساعدني.
تجمدت.
قبل أن أستوعب كلامها، أكمل الرجل من الخارج
ريم لو فاكراني، قولي لخالك إني كنت البواب الجديد.
اتسعت عيناها.
ثم بدأت تبكي.
هو الأستاذ سامح.
شعرت بالارتباك.
مين سامح؟
قالت بين دموعها
كان بيديني بسكوت لما أنزل من البيت.
وفي الخارج جاء صوته سريعًا
مافيش وقت. اللي كان بيستخدم المخزن مش شريف لوحده.
سكت لحظة.
ثم أضاف
وفي حد لسه حر وطليق.
شعرت بقبضة باردة تعتصر صدري.
فتحت الباب بحذر شديد.
كان يقف رجل في الخمسينات من عمره.
وجهه شاحب ومتعب.
وفي يده ملف قديم.
أول ما رأتْه ريم اختبأت خلفي، لكنها لم تصرخ.
وهذا وحده جعلني أتردد.
رفع الرجل الملف.
وقال
أنا جبت الدليل اللي الشرطة كانت بتدور عليه.
ثم فتح الملف.
وأخرج صورة.
نظرت إليها.
وفي اللحظة نفسها شعرت أن الأرض تميد بي.
لأن الصورة كانت ملتقطة داخل المخزن.
وكان يظهر فيها شريف فعلًا
لكن الشخص الواقف بجواره لم يكن غريبًا.
كنت أعرفه جيدًا.
بل رأيته عشرات المرات.
وكان يدخل بيت أختي باستمرار دون أن يثير أي شك.
شخص لم يخطر ببالي لحظة واحدة.
وعندما قرأت الاسم المكتوب خلف الصورة
أدركت أن الكابوس الحقيقي لم يبدأ بعد حدقت في الاسم المكتوب خلف الصورة.
مرة.
ثم مرتين.
كأني رافض أصدقه.
كان الاسم
الدكتور حسام.
طبيب الأطفال اللي كانت منى بتاخد ريم عنده من وهي رضيعة.
الرجل المحترم.
الهادئ.
اللي كل الناس كانت تشكر فيه.
رفعت عيني نحو سامح.
إنت متأكد؟
هز رأسه ببطء.
الصورة أصلية.
قلبي كان بيدق بعنف.
إزاي؟
تنهد سامح وقال
لأن المخزن ما كانش مجرد مخزن.
سكت لحظة.
ثم أكمل
كان مكان بيتقابلوا فيه بعيد عن عيون الناس.
شعرت بريم تتشبث بيدي أكثر.
لكن قبل أن يكمل
رن هاتفي.
رقم منى.
رددت فورًا.
صوتها كان مختلفًا.
هادئًا جدًا.
هادئًا أكثر من اللازم.
قالت
رؤوف الشرطة وصلت عندي.
تنفست الصعداء لأول مرة منذ ساعات.
لكنها أكملت
بس في حاجة لازم تعرفها.
قبضت على الهاتف.
إيه؟
جاء ردها
شريف اعترف بكل حاجة.
تجمدت.
كل حاجة؟
تقريبًا.
يعني إيه تقريبًا؟
سكتت ثوانٍ طويلة.
ثم قالت
قال إنه كان بينفذ أوامر حد تاني.
في تلك اللحظة تبادل سامح وأنا النظرات.
وكأننا فكرنا في الاسم نفسه.
لكن منى أكملت قبل أن أنطق
وهو رافض يقول مين.
سكتُّ.
ثم نظرت إلى الصورة مرة أخرى.
إلى وجه الدكتور حسام.
وفجأة انتبهت لشيء صغير.
في خلفية الصورة.
شيء لم أره من قبل.
علامة معلقة على الحائط.
حرف واحد فقط.
حرف R كبير باللون الأحمر.
رفعت الصورة أقرب للضوء.
وسامح اقترب هو الآخر.
ثم شحب وجهه فجأة.
همس
لا
إيه؟
أشار للحرف.
وقال
دي مش R.
دققت النظر.
وكان محقًا.
لم تكن R.
كانت جزءًا من كلمة مقصوصة.
الكلمة كاملة كانت
ROOM 7
الغرفة 7.
نفس الرقم الموجود على المخزن.
لكن الغريب أن اللافتة كانت جديدة.
ونظيفة.
بينما المخزن مهجور منذ سنوات.
رفعت رأسي نحو سامح.
يعني الصورة حديثة؟
أجاب بصوت مرتعش
أحدث مما تتخيل.
وفي نفس اللحظة
وصلت رسالة جديدة إلى هاتفي.
من الرقم المجهول.
لكن هذه المرة لم تكن صورة.
كانت فيديو.
مدته عشر ثوانٍ فقط.
ضغطت تشغيل.
ظهر ممر ضيق.
ثم باب معدني.
ثم شخص يقترب بالكاميرا.
ويفتح الباب ببطء.
وما إن انفتح الباب حتى ظهر تاريخ التسجيل في زاوية الشاشة.
كان تاريخ اليوم.
اليوم نفسه.
قبل أقل من ساعة.
ثم انتهى الفيديو.
لكن قبل أن تنطفئ الشاشة بلحظة
ظهر انعكاس وجه مصور الفيديو على المعدن.
وجه رجل أعرفه.
رأيته منذ ساعات فقط.
وعندها فهمت الحقيقة المرعبة
الشخص الذي كان يرسل لنا الرسائل طوال الوقت
كان قريبًا منا أكثر مما تصورنا حدقت في الشاشة غير مصدق.
أعدت الفيديو مرة.
ثم مرة ثانية.
وفي كل مرة كان الوجه المنعكس يظهر لجزء من الثانية فقط.
لكنها كانت كافية.
كافية جدًا.
رفعت عيني ببطء نحو سامح.
هو أيضًا كان ينظر إلى الشاشة.
ثم شحب وجهه فجأة.
مستحيل
همسها وهو يتراجع خطوة للخلف.
شعرت بشيء بارد يمر في جسدي.
لأن الوجه الذي ظهر في الانعكاس
كان وجه سامح نفسه.
ساد صمت ثقيل.
سامح رفع يديه فورًا.
استنى استنى قبل ما تفكر في أي حاجة.
لكنني أمسكت ريم خلفي أكثر.
إنت بتبعت الرسائل؟
أطرق رأسه.
ثم قال
آه.
ليه؟
لأنهم كانوا بيراقبوا أي حد يتواصل معاكم مباشرة.
نظرت إليه بحذر.
يعني كل ده من البداية؟
هز رأسه.
أنا اللي حطيت المفتاح. وأنا اللي بعت الصور.
وليه ما قلتش الحقيقة من الأول؟
ابتسم ابتسامة مرهقة.
لأنك ما كنتش هتصدقني.
وللمرة الأولى بدا صادقًا.
متعبًا.
وخائفًا.
ثم أخرج من جيبه بطاقة ذاكرة صغيرة.
ووضعها فوق الصندوق.
الدليل كله هنا.
نظرت إليها.
ولم ألمسها.
سألته
ولو إنت بتحاول تساعدنا ليه كنت مستخبي؟
تنهد.
ثم قال
لأن الشخص اللي بندور عليه لسه ما اتقبضش عليه.
سكت لحظة.
ثم أضاف
وهو عارف إني عايش.
في تلك اللحظة رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
ثم اختفى اللون من وجهه.
إيه؟
سألته.
لكنه لم يجب.
اكتفى بأن أدار الهاتف نحوي.
كانت رسالة قصيرة.
ثلاث كلمات فقط
فات الأوان يا سامح.
وفي نفس اللحظة
سمعنا صوت سيارات كثيرة تتوقف أسفل العمارة.
ثم أبواب تُغلق.
ثم أصوات رجال.
اقترب سامح من الشباك بسرعة.
ونظر للأسفل.
ثم همس
وصلوا.
الشرطة؟
هز رأسه ببطء.
لا.
أمال مين؟
لم يجب.
لكن ريم أجابت بدلًا منه.
بصوت مرتعش جدًا.
صوت طفلة تذكرت شيئًا كانت تحاول نسيانه.
وقالت
دول الناس اللي كانوا بييجوا للمخزن.
وفي اللحظة نفسها
انطفأت كل أنوار العمارة دفعة واحدة.
وغرق المكان في ظلام كامل.
ثم سمعنا صوت باب المدخل الرئيسي للعمارة يُفتح ببطء من الأسفل.
وبعده مباشرة
بدأ شخص ما يصعد السلالم.
لكن هذه المرة
لم يكن شخصًا واحدًا غرق المكان في ظلام دامس.
لثانية كاملة، لم أسمع إلا أنفاس ريم المرتجفة.
ثم بدأت الأصوات.
خطوات كثيرة.
ليست جريًا.
ولا صعودًا عشوائيًا.
كانت منظمة.
هادئة.
كأن أصحابها يعرفون بالضبط إلى أين يذهبون.
شعرت بيد ريم تتمسك بقميصي بقوة.
أما سامح فكان يحدق في باب غرفة التخزين.
ثم قال فجأة
لازم نخرج من هنا.
إزاي؟
أشرت نحو السلم.
هما طالعين.
هز رأسه.
مش من السلم.
ثم اتجه إلى آخر الغرفة.
ورفع قطعة خشب قديمة كانت تغطي جزءًا من الأرض.
تحتها ظهر غطاء حديدي صغير.
شعرت بالذهول.
إيه ده؟
قال بسرعة
ممر خدمة قديم بين العمارات.
وفي اللحظة نفسها
وصل أول صوت إلى باب الشقة.
صوت مقبض يتحرك.
ثم صوت رجل يقول بهدوء
فتشوا كل الأوض.
تسارعت دقات قلبي.
رفع سامح الغطاء الحديدي.
وظهر سلم ضيق ينزل إلى الظلام.
حملت ريم.
ونزلت أولًا.
خلفي سامح.
ثم أعاد الغطاء إلى مكانه فوقنا.
أصبحنا في ممر ضيق رائحته تراب ورطوبة.
ريم دفنت وجهها في كتفي.
لكن قبل أن نتحرك
سمعنا صوتًا مكتومًا فوق رؤوسنا مباشرة.
صوت تحطيم.
لقد وصلوا إلى غرفة التخزين.
ثبتنا في أماكننا.
ثم جاء صوت رجل آخر.
واضح هذه المرة.
قريب جدًا.
وقال
دوروا على الدفتر.
سكت ثانية.
ثم أضاف
والبنت.
شعرت بأنفاس ريم تتسارع.
لكن سامح أشار لي أن أتحرك.
بدأنا نسير داخل الممر.
عدة أمتار.
ثم عشرات الأمتار.
حتى وصلنا إلى باب معدني صدئ.
فتح سامح الباب بحذر.
خرجنا إلى قبو قديم مهجور.
وهناك
رأينا شيئًا لم يكن أي منا مستعدًا له.
على الجدار المقابل كانت عشرات الصور معلقة.
صور قديمة وحديثة.
صور لأطفال.
وصور لعائلات.
وصور لمنازل.
لكن وسط كل هذه الصور
كانت هناك صورة كبيرة معلقة وحدها.
أحدث من البقية.
صورة التقطت قبل يومين فقط.
اقتربت منها.
وشعرت ببرودة تسري في جسدي.
لأن الصورة كانت لأختي منى.
لكنها لم تكن وحدها.
كان يقف بجانبها شخص يبتسم للكاميرا.
شخص لم يكن شريف.
ولم يكن الدكتور حسام.
ولم يكن سامح.
بل شخص أعرفه جيدًا جدًا
شخص أثق فيه منذ سنوات.
شخص دخل بيتي مئات المرات دون أن أشك فيه لحظة.
وفي أسفل الصورة كانت جملة مكتوبة بخط أسود
آخر من تتوقعه هو أول من يجب أن تخاف منه وقفنا كلنا قدام الصورة.
سامح بصّ بسرعة وقال بصوت منخفض
مش لازم نكمل هنا.
بس أنا ما كنتش سامع.
كنت باصص لملامح الشخص اللي في الصورة كأن عقلي بيرفض يصدق.
ريم شدت إيدي وقالت بخوف
هو ده اللي بييجي البيت؟
ما قدرتش أرد.
في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات تانية جاية من الممر اللي خرجنا منه.
بس دي المرة كانت
مختلفة.
أبطأ.
أقرب.
كأنهم بقوا عارفين
طريقنا بالظبط.
سامح فتح باب جانبي بسرعة.
من هنا.
دخلنا ممر تاني أضيق، وفي نهايته سلم طالع لفوق.
وإحنا بنطلع، النور بدأ يرجع تدريجيًا.
كأن الكهرباء رجعت للعمارة.
لكن الإحساس بالخطر ما اختفاش.
وصلنا باب حديد صغير في سطح العمارة.
دفعه سامح بكل قوته.
واتفتح.
الهوا البارد لف حوالينا.
وأول ما خرجنا للسطح، سمعنا صوت صافرات شرطة في الشارع تحت.
بصيت بسرعة.
عربيات الشرطة كانت محاوطة العمارة.
وفي اللحظة دي، سامح قال
أنا بلغت بنفسي أول ما الرسالة الأخيرة وصلت.
سكت لحظة.
وبعدين أكمل
اللي في الصورة تحت المراقبة من زمان، بس ماكانوش قادرين يثبتوا حاجة.
نزلت ريح طويلة من صدري.
ريم كانت لسه ماسكة فيا، بس لأول مرة جسمها كان أهدى شوية.
بعد دقائق، الشرطة بدأت تطلع.
والباب اللي ورا كان بيتفتح بيتفتح لحد ما كل الممر اتقفل عليهم.
مافيش أي مقاومة.
ولا مطاردة.
بس استسلام هادي.
بعد ساعة، كنا في سيارة الشرطة.
منى وصلت.
أول ما شافت ريم، جريت جامد.
ريم لأول مرة ما كانتش خايفة.
كانت بتعيط بس.
أنا بصيت لسامح.
سألته
هو انتهى؟
سكت شوية.
وبعدين قال
القضية دي كانت أكبر من شخص واحد بس الشبكة كلها اتفكت.
ثم أضاف بهدوء
وأهم حاجة إن الطفلة خلاص بأمان.
في اليوم اللي بعده، اتقفل ملف مخزن 7.
واتسجلت القضية ضد مجموعة كانت بتستغل أطفال بطرق غير قانونية وتم تفكيكها بالكامل.
لكن في حاجة واحدة فضلت في دماغي.
الصورة.
والشخص اللي في آخرها.
سألت سامح قبل ما يمشي
هو كان مين؟
بصلي وقال
مش مهم دلوقتي تعرف مين كان المهم إنك عرفت مين كنت لازم تحميه.
ومشى.
بعدها بشهور
ريم بدأت ترسم تاني.
بس المرة دي كانت بتلون الشمس.
ومرة واحدة بس، وهي بتضحك، قالتلي
أنا بقيت آكل من غير ما أستأذن.
وساعتها بس، عرفت إن القصة دي فعلًا انتهت.