فكروني عمياء

لمحة نيوز

فكروني عمياء... لكن الحقيقة كانت أعقد بكتير
كان أول صوت سمعته فاطمة المنياوي وهي بتفتح عينيها بعد ما استعادت وعيها... صوت همسات مكتومة جاية من آخر القبو.
حاولت تتحرك، لكن ألم حاد في ذراعها خلاها تتجمد مكانها.
كانت ممددة عند أسفل السلم داخل فيلتها في التجمع الخامس، والضمادات ما زالت تغطي عينيها بعد عملية زراعة القرنية التي أجرتها منذ ساعات قليلة.
حاولت تستوعب اللي حصل...
آخر حاجة فاكرة إنها كانت طالعة أوضتها علشان ترتاح بعد رجوعها من المستشفى، وبعدها... ظلام كامل.
سمعت خطوات بتقرب.
قال صوت رجالي ببرود
الحمد لله إنها لسه فاقدة الرؤية... كده الأمور هتمشي أسهل.
رد صوت ست بسرعة
المهم ما تعرفش أي حاجة دلوقتي... لحد ما نخلص اللي بدأناه.
فاطمة سكتت تمامًا، وكأنها ما سمعتش كلمة.
من ست شهور، التهاب نادر أصاب قرنيتها وخلاها تفقد بصرها بشكل مؤقت، وكانت عملية الزراعة هي الأمل الوحيد لرجوع النظر.
وخلال الشهور دي، اضطرت تعتمد على الناس اللي حواليها.
جوزها مصطفى تولى إدارة شركة سنتينيل مصر، الشركة اللي فاطمة أسستها من أكتر من خمسة عشر سنة، والمتخصصة في أنظمة الحماية والتكنولوجيا الذكية.
أما بنت عمها رانيا، فجت تعيش معاها في الفيلا بحجة مساعدتها في فترة العلاج.
في البداية، فاطمة كانت ممتنة لكل اللي بيعملوه.
لكن مع الوقت...
بدأت تلاحظ حاجات غريبة.
اجتماعات بتتعمل من غير علمها.
ملفات بتتتنقل من مكتبها.
موظفين قدامى بيختفوا فجأة من الشركة.
ولما كانت تسأل...
كان الرد واحد.
متتعبيش نفسك بالتفاصيل... أهم حاجة صحتك.
رغم إنها ما كانتش شايفة، إلا إن سمعها بقى أقوى.
كانت تعرف مين دخل الأوضة من صوت خطواته.
وتعرف مين لمس أوراق مكتبها.
بل وتعرف إذا كان حد فتح الخزنة من صوت القفل الإلكتروني.
قبل العملية بأسبوع، سكرتيرتها القديمة شيرين طلبت تقابلها بعيد عن الشركة.
قالت لها بهدوء
يا مدام... في حاجات بتحصل من
وراكي، وأنا مش مرتاحة.
فاطمة سألتها
زي إيه؟
شيرين بصت حواليها قبل ما ترد
في تحويلات مالية كبيرة... وفي ملفات أصلية اختفت... وفي حد بيدور على مستندات قديمة محدش يعرف عنها حاجة.
فاطمة فضلت ساكتة ثواني.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
كملي شغلك... وكأنك ما قولتيليش حاجة.
ومن يومها...
بدأت خطة هادئة جدًا.
من غير ما حد يحس، كل الأنظمة الإلكترونية للشركة بدأت تسجل أي تعديل.
وأي ملف يتفتح...
يتحفظ منه نسخة تلقائيًا في مكان تاني.
وأي دخول للخزنة...
يتسجل بالوقت والثانية.
حتى الفيلا نفسها...
كانت مرتبطة بنظام أمني ذكي صممته فاطمة بنفسها من سنين.
نظام محدش يعرف كل إمكانياته.
ولا حتى مصطفى.
بعد العملية، رجعت البيت وهي متعمدة تظهر إنها مرهقة ومش قادرة تعمل أي حاجة.
كانت تسمع كل كلمة...
وتخزن كل ملاحظة.
وفي الليلة دي...
وهي مستلقية في أوضتها، وصلها صوت منخفض من الدور السفلي.
مصطفى قال
بكرة الصبح لازم نفتح المكتب القديم.
ردت رانيا بسرعة
ولو سألت؟
قال بثقة
مش هتسأل... ولسه مش شايفة أي حاجة.
ابتسمت فاطمة في صمت.
لأنهم ما كانوش يعرفوا...
إن الدكتور قبل خروجها من المستشفى أخبرها بجملة واحدة غيرت كل شيء
في خلال أيام قليلة، هتبدأ الرؤية ترجع تدريجيًا... لكن متستعجليش.
من ساعتها...
فاطمة قررت تخفي الحقيقة عن الجميع.
وفي صباح اليوم التالي...
استيقظت على صوت إنذار خافت جدًا صادر من ساعة قديمة موجودة في مكتبها.
وده كان غريب...
لأن الساعة دي ما كانتش بتشتغل من خمس سنين.
عرفت فورًا إن حد فتح الدرج السري الموجود وراها.
اتجهت ببطء ناحية المكتب، مستندة على الحائط وكأنها ما زالت لا ترى.
ولما وصلت...
سمعت صوت درج بيتقفل بسرعة.
ثم قال مصطفى بهدوء مصطنع
صباح الخير... نمتي كويس؟
ابتسمت فاطمة وهي تخفي دهشتها.
وقالت بنفس الهدوء
الحمد لله.
لكن في داخلها...
كانت متأكدة إن السر اللي بيدوروا عليه موجود في نفس المكتب.
والأهم...
إنهم مستعدين يعملوا أي حاجة علشان يوصلوله.
أما إيه هو السر...
وليه الكل بيدور عليه...
فده كان لسه محدش يعرفه لم تنم فاطمة تلك الليلة إلا دقائق متقطعة.
لم يكن الألم هو السبب...
بل الإحساس بأن كل دقيقة تمر تُقرّب أحدًا من الوصول إلى شيء يخفيه الماضي.
مع أول خيط من ضوء الصباح، سمعت حركة غير معتادة في الطابق الأرضي.
أصوات صناديق تُسحب.
مفاتيح.
وأوراق تُقلب بعصبية.
ظلت في سريرها، ثم خرجت من غرفتها ببطء، تتحسس الحائط كعادتها، حتى يظن الجميع أن بصرها لم يعد بعد.
فجأة سكتت الأصوات.
قال مصطفى بنبرة هادئة
صباح الخير... محتاجة حاجة؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
كنت بدور على كوباية مية.
ناولها الكوب بنفسه، لكنها لاحظت من رائحة يده أنه كان يعبث في المخزن القديم.
رائحة غبار وخشب قديم... ممزوجة بزيت خاص كانت تستخدمه الشركة لحفظ الخزائن المعدنية.
إذن...
لم يكونوا يفتشون المكتب فقط.
كانوا يبحثون في كل مكان.
بعد دقائق، دخلت رانيا وهي تحمل صينية الإفطار.
قالت بابتسامة مصطنعة
الدكتور قال لازم تاخدي الدوا في معاده.
وضعت الأقراص أمامها.
فاطمة لمستها بأطراف أصابعها فقط.
عددها كان مختلفًا.
وحجمها أيضًا.
لكنها تظاهرت بابتلاعها، ثم أخفتها داخل المنديل دون أن يلاحظ أحد.
بعد خروجهم، أخرجت هاتفًا صغيرًا جدًا كان مخبأ داخل بطانة الوسادة.
لم يكن متصلًا بالشبكة.
بل كان يعمل على نظام داخلي خاص بالشركة.
كتبت رسالة قصيرة
افحصوا الدواء فورًا.
وضغطت إرسال.
بعد أقل من دقيقة، وصلها الرد.
جارٍ الفحص.
أغلقت الهاتف بسرعة قبل أن تسمع خطوات تقترب.
...
في نفس الوقت...
داخل مقر شركة سنتينيل مصر.
كانت شيرين تدخل غرفة الأرشيف السرية لأول مرة منذ شهور.
أدخلت بطاقة إلكترونية لا يملكها سوى شخصين...
هي...
وفاطمة.
فتح الباب ببطء.
داخل الغرفة كانت توجد خزنة سوداء صغيرة، لا تحمل أي أرقام أو أسماء.
وحين وضعت شيرين كف يدها على
جهاز البصمة...
صدر صوت إلكتروني هادئ
تم التعرف على المستخدم.
انفتح الباب.
لكن بدلًا من الأموال أو العقود...
وجدت صندوقًا خشبيًا قديمًا.
وفوقه ظرف أبيض مكتوب عليه بخط يد فاطمة
لا يُفتح إلا إذا حاول أحد السيطرة على الشركة.
ارتجفت يد شيرين.
فتحت الظرف.
وفي داخله...
ورقة واحدة فقط.
مكتوب فيها
ابدؤوا المرحلة الثانية.
أسفل الورقة...
كان هناك مفتاح نحاسي قديم، لا يشبه مفاتيح العصر الحالي.
وعليه رقم واحد فقط.
7
نظرت شيرين للصندوق مرة أخرى.
لم يكن فيه أي مكان لهذا المفتاح.
كأن المفتاح يخص شيئًا آخر...
في مكان آخر.
...
في الفيلا...
وصل تقرير فحص الدواء إلى الهاتف السري.
فتحت فاطمة الرسالة بصعوبة.
وجاء فيها سطر واحد فقط
الأقراص الأصلية تم استبدالها.
تجمدت في مكانها.
ثم ظهرت رسالة ثانية بعدها بثوانٍ
لكن هذا ليس أخطر ما وجدناه.
قبل أن تكمل القراءة...
سمعت صوت ارتطام قوي في الدور السفلي.
تلاه صوت زجاج يتحطم.
ثم صرخة قصيرة...
انقطعت فجأة.
خرج مصطفى يجري وهو يهتف
رانيا!... إنتِ كويسة؟
ساد الصمت للحظات...
ثم جاء صوت رانيا، لكنه كان مليئًا بالخوف لأول مرة
مصطفى... تعالى بسرعة...
إحنا لقينا حاجة تحت البلاط...
حاجة كانت مدفونة من سنين...
ولما شالوها...
كل ملامح مصطفى اتغيرت في ثانية نزل مصطفى السلم جري، وقلبه بيدق بعنف.
وقفت فاطمة عند باب غرفتها، متظاهرة إنها بتحاول تعرف مصدر الصوت فقط، بينما كانت كل حواسها مركزة على اللي بيحصل تحت.
قال مصطفى بصوت منخفض
إنتِ لمستي الصندوق؟
ردت رانيا وهي بتتنفس بسرعة
لا... البلاطة كانت مفكوكة، ولما رفعتها لقيت الصندوق ده تحتها.
ساد صمت طويل.
ثم قال مصطفى
مستحيل... المكان ده كان مقفول من سنين.
فاطمة عقدت حاجبيها.
مكان مقفول من سنين؟
يبقى في حاجة هم عارفينها... وهي لأ.
بعد دقائق، سمعت صوت غطاء خشبي بيتفتح ببطء.
ثم همس رانيا
ده... فاضي!
رد مصطفى بعصبية
مستحيل يكون فاضي!
بدأ يقلب الصندوق بعنف، حتى سقطت منه ورقة صغيرة كانت ملتصقة بالقاع.
خطفها بسرعة.
قرأها...
وفجأة تغير صوته.
لا... هي كانت متوقعة!
رانيا سألته بارتباك
مكتوب فيها إيه؟
طواها مصطفى بسرعة وقال
ولا حاجة...
مجرد ورقة قديمة.
لكن رانيا ما اقتنعتش.
قالت
أنا سمعتك... قلت إنها كانت متوقعة.
لم يرد.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت عصا فاطمة وهي تقترب ببطء.
دخلت وهي تقول بهدوء
في حاجة وقعت؟
أخفى مصطفى الورقة داخل

تم نسخ الرابط