فكروني عمياء
ظهرت رسالة أخرى
تم التعرف على الهوية... جاري فتح الملف.
دار الصندوق ببطء.
وانفتح.
في داخله...
دفتر جلدي قديم، ووحدة تخزين إلكترونية صغيرة، ومظروف مختوم بالشمع الأحمر.
مدت فاطمة يدها نحو المظروف.
لكن قبل أن تلمسه...
سمعتا صوت تصفيق يأتي من خلفهما.
استدارتا بسرعة.
كان الرجل العجوز يقف عند مدخل الغرفة.
وبجواره...
مصطفى.
لكن المفاجأة الأكبر...
أن مصطفى لم يكن يبدو شريكًا للرجل، بل كان يقف متوترًا وكأنه يتلقى الأوامر.
قال الرجل العجوز بابتسامة غامضة
أحسنتِ يا فاطمة... وصلتي للمكان أسرع مما توقعت.
ردت بهدوء
واضح إنك كنت مستنينا.
أومأ برأسه.
لأن اللي جوه الصندوق... ما ينفعش يفتحه إلا صاحبه الحقيقي.
نظر مصطفى إلى الصندوق بلهفة وقال
افتحيه بسرعة... لازم نعرف اللي فيه.
التفت إليه الرجل العجوز بنظرة حادة.
اصبر... أنت لسه ما تعرفش قيمة اللي بتدور عليه.
أمسكت فاطمة بالمظروف، لكنها لم تفتحه.
بل نظرت إلى الرجل العجوز وقالت
قبل ما أعرف اللي جواه... عايزة أعرف حاجة واحدة.
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة.
وأنا عارف هتسألي عن إيه...
لكن إجابتها مش موجودة هنا.
وأشار بعصاه إلى وحدة التخزين الإلكترونية داخل الصندوق.
ثم قال بصوت منخفض
السر الحقيقي... مش في الورق.
السر موجود في الملف اللي عليها.
والملف ده...
لو اتفتح بالطريقة الغلط...
هيختفي للأبد.
في تلك اللحظة، سُمع صوت باب حديدي يُغلق بقوة في آخر الممر.
ثم انطفأت الأنوار كلها...
ولم يبقَ سوى ضوء الشاشة الصغيرة، التي ظهرت عليها جملة واحدة
تم اكتشاف متسلل جديد داخل المبنى...تبادل الجميع النظرات في صمت.
لم يتحرك أحد.
لكن الشاشة أصدرت صوتًا إلكترونيًا قصيرًا، ثم ظهر سطر جديد
المتسلل يتحرك نحو الغرفة السرية.
عقد مصطفى حاجبيه وقال بقلق
مستحيل... إحنا آخر ناس دخلنا المبنى.
أما الرجل العجوز، فظل
واقفًا في مكانه وكأنه كان يتوقع ذلك.
قال بهدوء
لأ... في حد كان بيراقبنا من أول لحظة.
اقتربت فاطمة من وحدة التخزين، لكنها لم ترفعها.
كانت تعرف نظام الحماية الذي صممته بنفسها.
أي محاولة لفتح الملف من جهاز غير مصرح له...
ستؤدي إلى تشفيره بالكامل.
وفجأة...
وصلهم صوت خطوات بطيئة في الممر.
خطوة...
ثم أخرى...
ثم توقف كل شيء.
بعد ثوانٍ، انزلق ظرف أبيض من أسفل الباب الحديدي.
نظر الجميع إليه.
اقتربت شيرين بحذر، والتقطته.
لم يكن عليه اسم.
ولا ختم.
فتحت الظرف.
وجدت بداخله ورقة واحدة، كُتب عليها بخط واضح
لا تثقوا بمن يحمل المفتاح.
ساد صمت ثقيل.
الجميع التفت تلقائيًا إلى الرجل العجوز...
فهو الوحيد الذي كان يحمل المفتاح رقم 7.
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، وكأنه اعتاد على الشكوك.
وقال
لو كنت عايز أخدعكم... ما كنتش جبتكم لحد هنا.
ردت فاطمة بهدوء
والورقة دي ممكن تكون معمولة علشان نشك فيك.
قبل أن يرد...
سمعوا صوت ارتطام قوي في نهاية الممر.
ركض مصطفى ناحية الباب.
فتح جزءًا صغيرًا منه...
لكن الممر كان خاليًا.
إلا من شيء واحد.
هاتف محمول ملقى على الأرض.
أحضره بسرعة.
كانت شاشته ما زالت مضاءة.
وعليها تسجيل فيديو جاهز للتشغيل.
ضغط مصطفى زر التشغيل.
ظهر رجل يرتدي غطاءً يخفي ملامحه.
وقال بصوت مشوش
لو وصلتوا للتسجيل ده... يبقى الخطة بدأت.
توقف لحظة.
ثم أكمل
الكل بيدور على الملف... لكن محدش بيدور على صاحبه الحقيقي.
ظهرت على الشاشة صورة قديمة لمبنى الشركة أثناء إنشائه.
وكان يقف أمامه أربعة أشخاص.
فاطمة تعرّفت على نفسها وهي صغيرة.
وتعرّفت على والدها.
أما الشخصان الآخران...
فلم تستطع تمييز وجهيهما لأن الصورة كانت ممزقة من المنتصف.
انتهى التسجيل فجأة.
ثم ظهرت رسالة على شاشة الهاتف
الجزء الثاني من التسجيل... محفوظ في مكان آخر.
تنهدت فاطمة وقالت
يبقى اللي حصل النهارده كان مجرد بداية.
وقبل أن يجيبها أحد...
اهتزت الأرض اهتزازًا خفيفًا.
التفت الجميع نحو الصندوق المعدني.
كان يتحرك ببطء...
وكأن آلية قديمة في أسفل الغرفة بدأت تعمل لأول مرة منذ سنوات.
ثم صدر صوت ميكانيكي عميق.
وتحرك جزء من أرضية الغرفة، كاشفًا عن ممر سفلي ضيق...
لم يكن موجودًا في أي مخطط للمبنى تراجع الجميع خطوة إلى الخلف وهم ينظرون إلى الفتحة التي ظهرت في أرضية الغرفة.
خرج منها هواء بارد، محمل برائحة
الورق القديم والمعادن.
أضاءت مصابيح صغيرة على جانبي السلم الحجري تلقائيًا.
همست شيرين
واضح إن الممر ده ما اتفتحش من سنين.
هزت فاطمة رأسها.
بالعكس... حد كان هنا قريب.
انحنت قليلًا، ولمست أول درجة.
كان عليها آثار تراب خفيفة... لكن في منتصفها أثر حذاء حديث.
يعني...
شخص نزل إلى هناك قبلهم بساعات.
نظر مصطفى إلى الرجل العجوز وقال بحدة
أنت كنت هنا قبلنا؟
أجابه بهدوء
لو كنت نزلت... مكنتش هستنى لحد دلوقتي.
لم يقتنع مصطفى، لكنه لم يجد وقتًا للنقاش.
بدأ الأربعة ينزلون السلم بحذر.
كلما نزلوا أكثر...
اختفت أصوات الشارع تمامًا.
وفي نهاية السلم، وصلوا إلى ممر طويل، وعلى جانبيه عشرات الخزائن الحديدية الصغيرة.
كل واحدة تحمل رقمًا فقط.
1...
2...
3...
حتى...
12.
لكن الغريب...
أن الخزانة رقم 7 كانت مفتوحة.
أما باقي الخزائن فكانت مغلقة بإحكام.
اقتربت فاطمة منها ببطء.
لم تجد بداخلها أوراقًا ولا أموالًا.
كان فيها فقط...
ساعة يد قديمة.
وصورة عائلية باهتة.
ومفتاح آخر، أكبر من الأول، محفور عليه رقم
13
أخذت الساعة بين يديها.
وعندما قلبتها...
وجدت على ظهرها عبارة منقوشة
إذا وصلت إلى هنا... فلا تبحث عن المال. ابحث عن الحقيقة.
ساد الصمت.
قالت شيرين
الحقيقة عن إيه؟
قبل أن تجيب فاطمة...
وصلهم صوت تشغيل محرك كهربائي.
استداروا بسرعة.
كان أحد جدران الممر يتحرك ببطء.
وخلفه...
ظهرت غرفة واسعة مليئة بشاشات مراقبة.
كل شاشة تعرض مكانًا مختلفًا.
الفيلا.
الشركة.
المخزن القديم.
البنك.
بل وحتى المستشفى الذي أجرت فيه فاطمة العملية.
قال مصطفى بذهول
مستحيل...
دي كاميرات مراقبة لكل الأماكن!
اقتربت فاطمة من إحدى الشاشات.
ثم تجمدت.
كانت الشاشة تعرض تسجيلًا من ليلة العملية.
رأت نفسها تدخل الفيلا.
ثم...
ظهر شخص يرتدي قبعة ويغطي وجهه، يدخل من الباب الخلفي بعد دقائق.
لم يكن مصطفى...
ولم تكن رانيا...
ولم يكن الرجل العجوز.
كان شخصًا مجهولًا تمامًا.
دخل مباشرة إلى الطابق العلوي...
واختفى عن الكاميرات.
همست فاطمة
إذًا... كان في حد تالت في البيت من البداية.
وفي تلك اللحظة...
أضاءت إحدى الشاشات وحدها.
وظهر عليها عدٌّ تنازلي بدأ من
10...
9...
8...
نظر الجميع إلى بعضهم في صدمة.
ولا أحد منهم كان يعرف...
ماذا سيحدث عندما يصل العد إلى الصفر وصل العد التنازلي إلى...
3...
2...
1...
ثم...
انطفأت
كل الشاشات في اللحظة نفسها.
ساد صمت مرعب لثوانٍ.
وفجأة اشتغلت شاشة واحدة فقط.
ظهر عليها تسجيل قديم لوالد فاطمة، وهو يجلس داخل هذا الممر السري قبل سنوات طويلة.
نظر مباشرة إلى الكاميرا وقال
إذا كنتِ بتشاهدي الرسالة دي يا فاطمة... يبقى أنا مش موجود، لكني واثق إنك وصلتي للحقيقة.
شهقت فاطمة وهي تسمع صوت والدها لأول مرة منذ سنوات.
أكمل التسجيل
الشركة عمرها ما كانت مجرد شركة أمن وتكنولوجيا... كانت مشروع لحماية اختراع مهم جدًا. اختراع لو وقع في الأيدي الغلط، ممكن يسبب كوارث.
نظر مصطفى إلى الشاشة بدهشة.
أما الرجل العجوز، فأغلق عينيه وكأنه كان يعرف مضمون الرسالة.
تابع والدها
قسمت مفاتيح الوصول إلى ثلاث أجزاء، وخبيت كل جزء في مكان مختلف. ولو حد حاول يجمعهم بالقوة... النظام هيمسح كل البيانات تلقائيًا.
ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
لكن في شخص واحد يقدر يعطل النظام... وهو المؤسس الحقيقي بعدي.
واختفى التسجيل.
نظر الجميع إلى فاطمة.
قال الرجل العجوز
القرار دلوقتي في إيدك.
تنهدت فاطمة، ثم التقطت وحدة التخزين.
وضعتها في الجهاز.
ظهرت رسالة
هل تريدين استعادة الملفات... أم حذفها نهائيًا؟
لم تتردد.
ضغطت على...
حذف
نهائي.
شهق مصطفى.
إنتِ مجنونة؟! ده اللي الكل كان بيدور عليه!
نظرت إليه بهدوء وقالت
اللي بيستحق يتحافظ عليه هو الناس... مش الأسرار اللي ممكن تدمرهم.
بدأت الملفات تُحذف واحدة تلو الأخرى.
وفي أقل من دقيقة...
اختفى كل شيء.
ابتسم الرجل العجوز لأول مرة.
وقال
والدك اختارك صح.
ثم سلّمها ظرفًا صغيرًا كان يحتفظ به طوال هذه السنوات.
فتحت الظرف.
وجدت بداخله رسالة بخط يد والدها
الثروة الحقيقية مش في الحسابات ولا العقارات... الثروة الحقيقية هي السمعة اللي بنيتيها بتعبك. لو فضلتِ أمينة ليها، هتقدري تبني كل حاجة من جديد.
أغلقت فاطمة الرسالة، ونظرت إلى مصطفى.
قالت بهدوء
أنا مش هنتقم... القانون هو اللي هيحاسب كل
واحد على أفعاله.
وبالفعل...
قدمت شيرين كل المستندات التي جمعتها طوال الأشهر الماضية إلى الجهات المختصة.
أثبتت التحقيقات وجود تزوير في بعض العقود، ومحاولات للاستيلاء على أصول الشركة، وتمت مساءلة كل من شارك في ذلك وفقًا للقانون.
أما فاطمة...
فأعادت هيكلة شركة سنتينيل مصر، وأعادت الموظفين الذين فقدوا وظائفهم ظلمًا، وافتتحت مركزًا مجانيًا لدعم مرضى زراعة القرنية،
حتى لا يمر أحد بما مرت به.
وفي يوم الافتتاح...
خلعت نظارتها لأول مرة بعد اكتمال تعافيها.
رفعت عينيها إلى السماء، وابتسمت.
لم تكن فرحتها لأنها استعادت بصرها...
بل لأنها استعادت ثقتها بنفسها، وعرفت أن الحقيقة قد تتأخر...
لكنها في النهاية، لا بد أن تظهر.
تمت.