حماتي فرضت نفسها تيجي معانا المصيف…
حماتي فرضت نفسها تيجي معانا المصيف وأول يوم ناولتني ورقة فيها جدول شغل كأني خدامة عندها، فقررت ألقنها درس عمرها ما هتنساه.
أنا وجوزي عندنا تلات أطفال صغيرين، وبقالنا فترة طويلة جدًا ما خرجناش أي مصيف أو إجازة.
وأخيرًا، الصيف ده، جوزي قال لي
جهزي نفسك هنسافر البحر.
كنت فرحانة جدًا.
عمري ما شفت البحر قبل كده.
لكن بعدها على طول قال
على فكرة جبت تذكرة لأمي كمان.
بصيت له باستغراب وسألته
مش المفروض دي تبقى رحلة لينا إحنا وبس؟
رد وهو بكل بساطة
أيوه بس أمي قالت إنها عايزة تيجي معانا، وماقدرتش أرفض لها طلب.
طبعًا
حماتي كانت طول عمرها بتتدخل في جوازنا.
كل شوية تدخل تقول لي أعمل الأكل إزاي علشان يعجب ابنها.
وأكوي هدومه بالطريقة اللي بيحبها.
وأربي أولادي بالشكل اللي هي شايفاه صح.
وكانت دايمًا تردد قدامي
إنتِ أصلًا ما تستحقيش تكوني مرات ابني.
ورغم كل ده
كنت دايمًا أعدّي الموضوع علشان أحافظ على هدوء البيت.
لكن أول ما وصلنا مكان الإقامة، ونزلنا ناحية البحر
فوجئت بيها بتديني ورقة.
بصيت فيها
ولقيت العنوان مكتوب بخط كبير
واجباتك أثناء الإجازة.
وكان تحتها جدول بالتفصيل
٦٣٠ صباحًا صحّي الأطفال والبسيهم.
٧٠٠ صباحًا هاتي القهوة ليا ولابني.
٨٠٠ صباحًا نزلي الفطار.
١٠٠٠ صباحًا راقبي الأطفال في الميه، وسيبينا أنا وابني نستريح.
١٠٠ ظهرًا نوّمي الأطفال.
والجدول مكمل
لحد آخر اليوم.
وآخر بند كان
٩٠٠ مساءً نوّمي الأطفال علشان ابني يقدر يرتاح في هدوء.
والمصيبة
إنها عاملة جدول بالشكل ده لكل يوم من أيام الإجازة!
بصيت لها وقلت
إنتِ بتهزري صح؟
ابتسمت بكل برود وقالت
أنا وابني بنشتغل، واستحقينا الإجازة دي. لكن إنتِ قاعدة في البيت طول اليوم، فما استحقيتيش حاجة. من العدل إنك تخدمينا.
يعني تربية تلات أطفال
بالنسبة لها مجرد قعدة في البيت!
روحت حكيت لجوزي اللي حصل.
كل اللي قاله كان
تجاهليها وخلاص.
ساعتها
حسيت إن صبري خلاص انتهى.
وقررت أنفذ خطتي أنا.
روحت لمدير مكان الإقامة
وطلبت منه يعمل كام تعديل صغير في ترتيبات إقامتنا.
وفي صباح اليوم التالي
اقتحمت حماتي أوضتي وهي بتصرخ بأعلى صوتها
لأ! إنتِ إزاي تعملي كده؟!
وقفت قدامها بثبات ودقة شديدة، وبصيت في عينيها من غير ما أرمش ولا حظة. كانت أطرافها بترتعش من كتر الغيظ، ووشها أحمر زي الدم، والورقة اللي كانت كاتباهالي بالأمر والجدول لسه الموزع ماسكها في أيده.
بصيت لها وابتسمت ابتسامة هادية جدًا وقولت لها بصوت واطي ومسموع
صباح الخير يا طنط.. خير، مالك صاحية زعلانة ومخدوضة كده ليه
من الصبح؟ مش المفروض دي إجازة ورخاء وإنتِ وابنك جايين ترتاحوا؟
صرخت فيا وهي بتشاور بأصبعها اللي بيرتعش
إنتِ اتجننتي يا بت إنتِ؟! إزاي تتجرئي وتعملي حركة زي دي من غير ما ترجعيلي ولا ترجعي لابني؟ إنتِ فاكرة نفسك مين عشان تنقلي حاجتي وتغيري نظام الإقامة كدة؟!
في اللحظة دي، جوزي صحي على صوت صريخها العالي، خرج من الأوضة وهو بيمسح عينيه ومش فاهم حاجة، وشايف أمه واقفة بتغلي ومسكين طقم مفاتيح في إيدها، وأنا واقفة بكل برود وسكينة برتب هدوم ولادي.
جوزي اتكلم بصوت مخنوق من النوم
فيه إيه يا أمي؟ فيه إيه يا منار؟ صريخكم واصل لآخر الممر ليه على الصبح؟
حماتي تلفتت له وزعقت بكل قوتها
تعال شوف السنيورة هانم عملت إيه! تعال شوف مراتك المصونة اللي إنت سايبها تسوق فيها وتعمل اللي هي عايزاه! نقلت أوضتي يا إيهاب! نقلتني لأوضة في آخر الفندق بعيدة عنكم خالص، ولغت خدمة الوجبات الشاملة بتاعتي، وخليتها باسمها هي وعيالك بس!
إيهاب بصلها بشرود وبعدين بصلي بستنكار وذهول وقال
إنتِ عملتي كده فعلاً يا منار؟ نقلتي أمي لأوضة تانية ولغيتي وجباتها؟ إنتِ اتجننتي رسمي ولا جرى لعقلك حاجة؟
رديت عليه بكل هدوء، وقعدت على طرف السرير وجنبي ولادي التلاتة اللي كانوا باصين لينا بخوف، طبطبت عليهم وقلت لإيهاب
لأ يا حبيبي، أنا ما اتجننتش ولا حاجة.. أنا بس طبقت كلام طنط بالحرف الواحد. مش هي امبارح قالت لي بكل وضوح قدامك إنها جايّة هنا ترتاح لأنها بتشتغل، وإن أنا عشان قاعدة في البيت وماليش قيمة، فما أستحقش آخد إجازة ولا أستمتع بالبحر، ومطلوب مني أكون الخدامة اللي بتخدمكم ٢٤ ساعة؟
إيهاب اتلجلج وبص لأمه وبعدين بصلي وقال
أيوه بس ما كانش القصد كدة.. أمي كانت بتقول كلام عادي يعني، إنتِ ليه تكبري الموضوع وتصرفي تصرف أهوج زي ده؟
ابتسمت ابتسامة عريضة وقمت وقفت قدامهم وهزيت رأسي بثقة
مفيش حاجة كبرت يا إيهاب. أنا رحت لمدير الفندق بالليل، ووضحت له الوضع. وبما إن حجز الفندق ده كله اصلاً مدفوع من كروت الجمعية اللي أنا قبضتها الشهر اللي فات باسمي ومن شغلي الأونلاين اللي أنا بعمله من البيت بالليل بعد ما أنيم الولاد الشغل اللي أمك شايفاه قعدة في البيت مفيهاش تعب فمن حقي الكامل أتحكم في الحجز وفي الفلوس اللي تدفعت من عرق إيدي.
حماتي شهقت وحطت إيدها على صدرها
شغل إيه وجمعية إيه؟! إنتِ بتمنّي علينا بالقرشين بتوعك يا حافية؟!
قلت لها برود أشد من التلج
لا سمح الله يا طنط، أنا ما بمنّش.. أنا بس بحط النقاط على الحروف. أنا دفعت حجز السويت ده ليا ولولادي ولجوزي
عشان نفرح ونشوف البحر اللي عمري ما شفته. ولما حضرتك جيتي وفرضتي نفسك علينا، جوزي قطع لك تذكرة من جيبه، وأنا ما اعترضتش وقلت مرحب بيكي. لكن لما تجيلي بجدول أعيش بيه خدامة تحت جزمتك، يبقى لازم كل واحد يعرف مقامه وحجمه الحقيقي.
حماتي بصت لإيهاب وزعقت
ساكت لها يا إيهاب؟! سامع مراتك بتقول إيه لأمك؟! سايبها تطردني وتفهمني إني مالياش قيمة؟!
إيهاب كان متخشب في مكانه، الصدمة كانت ملجمة لسانه. هو طول عمره متعود إن أمه هي اللي بتسيطر، وإني أنا اللي بسكت وببلع الإهانة عشان المراكب تسير. ما كانش متخيل أبدًا إن الهادية المطيعة اللي استحملت قرف سنين ممكن تتغير في لحظة وتتحول لست تانية خالص.
إيهاب قرب مني ومسك دراعي بقوة وقال بصرامة مزيفة
منار! هاتي المفاتيح ورجعي الحجز زي ما كان حالاً! أمي مش هتتنقل في أي حتة، وإنتِ هتنظفي الكلام ده وتعتذري لها فوراً!
شلت إيده من على دراعي بحدة وبعينين حادين زي الموس
إيدك يا إيهاب.. إياك تلمسني بالطريقة دي تاني. ولو فاكر إنك تقدر تجبرني على حاجة تبقى غلطان. أنا غيرت الحجز خلاص. الأوضة اللي هناك دي أوضتك أنت وأمك، سميها أوضة المستريحين اللي بيشتغلوا. الأوضة دي سويت كامل ليا أنا وولادي، مدفوع أكلنا وشربنا وإقامتنا بالكامل.
أمه صرخت
وابني؟! ابنك ينام بعيد عن مراته وعياله عشان حضرتك ترتاحي؟!
رديت عليها بكل حسم
ابنك اختيارين يا طنط.. يا إما يروح يقعد معاكي في الأوضة التانية، ويخدمك ويمشي على الجدول العظيم بتاعك من الساعة ٦٣٠ الصبح عشان يثبت لك إنه ابن بار ويستحق الإجازة، يا إما يفضل هنا معايا ومع عياله بس بشرط واحد.. الورقة دي تتفرم تحت جزمتي، وحضرتك ملكيش أي كلمة أو حكم عليا أو على عيالي طول ما إحنا هنا.
السكوت عم الأوضة لحظات. حماتي كانت بتبصلي بذهول كأنها شايفاني لأول مرة. وشها كان بيتغير بين الغضب والذهول والكسرة. هي طول عمرها بتلعب على نقطة ضعف إيهاب وإنه مبيقدرش يرفض لها طلب، بس المرة دي اللعبة خرجت عن سيطرتها كلياً لأن الفلوس والحجز بقوا في إيدي أنا.
حماتي التفتت لإيهاب وقالت وهي بتمثل العياط والكسرة
شايف يا إيهاب؟ شايف مراتك بتهين أمك إزاي وب تخيرك بينها وبيني؟ لو عندك ريحة النخوة والمفهومية، تطلقها فوراً وترجعنا البيت دلوقتي!
إيهاب بقى في موقف لا يحسد عليه. بصلها وبصلي، وكان شايف في عيني صرامة غير معتادة، رأى ست مش خايفة من الطلاق ولا خايفة من التهديد، ست وصلت لمرحلة الفاض كيلها واللي يحصل يحصل.
إيهاب اتنفس ببطء وقال لأمه بصوت وطي
طلاق إيه بس يا أمي على الصبح.
. اهدي بس ونشوف حل للموضوع ده.
حماتي صرخت فيه
حل إيه؟! بقولك بتطردني من السويت وراحت حطتني في أوضة عادية في آخر الفندق! إنت هتسكت لها؟!
أن ا قاطعتهم وأنا بفتح باب السويت وبشاور لهم على بره بكل شياكة
وقت النقاش خلص.. دلوقتي الساعة بقت ٨ الصبح، وحسب جدول حضرتك العظيم، ده ميعاد نزول الفطار. أنا واخدة ولادي ونازلة ناكل ونقعد على البحر نستمتع باليوم. قدامكم ٥ دقائق تتفضلوا تطلعوا بره عشان هقفل السويت.
إيهاب قرب مني وقال بصوت واطي ومحروق
منار.. إنتِ بتدمر كل حاجة بيننا، الحركة دي مش هعديها لك.
رديت عليه بابتسامة ثقة
اللي عندك اعمله يا إيهاب.. إنت اللي اخترت تسيب أمتك تدوس عليا، وأنا اخترت إن محدش يدوس عليا تاني. قدامك دقيقة تطلع بره مع أمك، أو أطلب أمن الفندق ينزلكم لأن السويت مسجل باسمي أنا بس.
حماتي جرت على بره وهي بتتحسبن وتزعق في الممرات بصوت واطي من الفضيحة، وإيهاب بصلي بقلة حيلة وغضب مكتوم، وخرج وراها وهو بيخبط الباب بقوة.
أول ما الباب اتقفل، قعدت على الكنبة وأنفاسي متسارعة، قلبي كان بيدق بسرعة رهيبة، بس جوايا كان فيه احساس بالراحة والحرية عمري ما حسيته من سنين. بصيت لولادي التلاتة ولقيتهم باصين لي بابتسامة، الكبير فيهم قرب مني ومسك إيدي وقال
ماما.. إحنا هننزل البحر بجد؟
مسكت وشه وبسته وقلت له
اه يا حبيبي.. هننزل البحر، وهنلعب، وهنعمل كل اللي نفسنا فيه، ومحدش في الدنيا هينكد علينا تاني.
لبست ولادي مايوهاتهم، ولبست طقم صيفي مبهج، ونزلنا على البسين والبحر. الشمس كانت ساطعة والمية زرقا بتلمع، منظر كان بالنسبة لي حلم بعد سنين الضغط والخدمة والتعب في الشقة المقفولة. قعدنا على شيزلونج مريح قدام المية، وطلبت للولاد عصاير فرش وفطار فاخر من المطعم الخاص بالسويت.
وبعد حوالي ساعتين وأنا قاعدة بتفرج على ولادي وهما بيلعبوا في المية ومبسوطين وبيضحكوا من قلبهم، شفت من بعيد إيهاب وحماتي طالعين من الممر الجانبي للفندق.
حماتي كانت شايلة شنطة بحر تقيلة، ووشها باين عليه التعب والحر، وكانت بتتحرك بصعوبة ومفيش حد شايل عنها حاجة. وإيهاب كان ماشي جنبها ولابسة قميص ومكشر، وباين إنه شايل هم الدنيا فوق دماغه.
قربوا من المنطقة اللي أنا قاعدة فيها. حماتي بصلت للترابيزة بتاعتي المليانة أكل وعصاير فرش وشفت في عينيها الحقد والغيظ، لكن في نفس الوقت كان فيه حسرة.
إيهاب قرب مني وحده، وساب أمه واقفة على مسافة بعيدة تحت الشمس.
قعد على الكرسي اللي جنبي من غير ما يتكلم، وبص للمية وبعدين بصلي وقال بنبرة هادية بس فيها تهديد
مكتوم
مبسوطة كدة يا منار؟ مبسوطة وإنتِ مشربة أمي المر ومخلياني أقف بينكم زي الأبلة؟
رديت وأنا باخد بق من العصير
بتلذذ
أنا مبسوطة جداً يا إيهاب.. ولادي مبسوطين، وده كل اللي يهمني. إنت اللي اخترت تقف موقف الأبلة لما شفت أمك بتديني ورقة عبودية وما فتحتش بقك بكلمة.
إيهاب حط إيده على ركبته وقال بصوت حاد
تمام.. فاكرة إنك كدة