قصة الوصية المخفية وكيف عاد البيت لنا
إني أرفض. كتبت هنعدي على 9 ونص. وبعتها.
بعد نص ساعة كنا تحت. البيت الكبير وقف قدامي زي جبل قديم بس ما عادش مرعب بقى أقرب لذكرى بتتحول لشيء نضيف. أول ما دخلنا لقيت ماما في المطبخ فعلا في المطبخ مش قاعدة على كرسي بعيد تصرخ بالأوامر. إيدين كانت دايما ناعمة من عدم الشغل بقت ماسكة معلقة خشب تقلب فول على ڼار هادية. لما شافتني ارتبكت شوية وبعدين ابتسمت ابتسامة خجولة عملتلكوا حاجات بتحبوها.
ريحة العيش الطازة الطماطم بالنعناع جبنة بيضا عليها زيت زيتون الشاي على الصاج كان فيه حنين حقيقي طالع من الصيني. قعدنا وإيما خدت قضمة من الرغيف وقالت حلو. ماما ضحكت من قلبها لو مش حلو قولولي أحسن مناخدش على وشه. ضحكنا. كان ضحك بسيط بس له معنى.
وأنا باكل لقمة صغيرة كانت عيني بتسرق نظرات سريعة لوش ماما. في خطوط جديدة حوالين عينها ما كنتش شايفاها قبل كده يمكن علشان كنت ببص من بعيد دايما. النهارده كنت قريبة كفاية أشوف خوف صغير قاعد في عمق نظرتها خوف من إني أقوم فجأة وأسيبهم تاني. قلت لها بصوت هادي أنا مش جاية أفتح دفاتر قديمة. أنا جاية آكل معاك. قالت وهي تبلع ريقها وأنا مش ناوية أتكلم غير لما تحبي تسمعي. بس أشكرك إنك جيتي.
بعد الفطار إيما راحت على الجنينة الصغيرة اللي في ظهر البيت تركض ورا فراشة صفراء وتضحك وماما وقفت على العتبة تبص عليها. أنا وقفت جنبها. قالت وهي عينيها على إيما كان نفسي أكون أم مختلفة يمكن أعلمكوا الحب من غير شروط. بس أنا اتعلمت الحب من أم كانت بتحب بشروط كتير. وكنت فاهمة إن ده الصح. لحد ما ربنا فتحلي باب وأدخلني منه بالعافية. قلت وأنا عيناي على بنتي اللي يهم دلوقتي إن الباب اتفتح. أنا مش محتاجة خطاب اعتذار مكتوب محتاجة أعيش يوم من غير ما أفتش في قلبي عن شوك. هزت راسها ويوعدني ربنا أساعدك تشيلي الشوك اللي فضل.
في العصر جت كارولين. ما جتش بعطر قوي ولا شعور متقن جت بوش عادي عيون مرهقة وشعر على طبيعته كأنها لابسة بشرطها أمام نفسها. سلمت وسكتت. ما حاولتش تسلم بالكلام الكبير. قعدت قدامي وقالت أنا رايحة جلسات. مش عيب إن الواحد يروح جلسات صح قلت مش عيب. قالت قلت للدكتورة إني عندي غيرة بتهجم فجأة وبتخليني أمسك الطبق وأرميه. قالت إن الغيرة مش بتوع الأطفال لوحدهم الكبار عندهم منها فروع كتير. ابتسمت بسكوت.
قالت لو ينفع أنا عايزة فرصة ألعب مع إيما مرة في الأسبوع. هنا أو عندكوا. وأتعلم أكون خالة مش منافس. كان فيه ارتعاشة في صوتها ارتعاشة إنسان بيعترف إن اللي جواه مش حلو بس عايز يصلحه. قلت نجرب. قالت بسرعة وعدد ساعات محدودة. لو حسيتي حاجة غلط قولي ستوب. أنا اتعلمت كلمة ستوب. ضحكت ضحكة صغيرة كويس.
مر أسبوع واتنين. البيت الكبير بقى بيشوفنا بنظام. مرة افطار مرة غداء ومرة قهوة في العصر وبسكوت بسيط والحكايات الكتيرة اللي حوالينا بدأت تخف. ماما كانت بتحب تحكي عن جدتي إيفلين وكيف كانت بتعد فلوسها بقسۏة بس تسيب قرش لحد محتاج من غير ما تقول اسمه. كنت بسمع وبتخيل جسر صغير مرسوم بين زمانهم وزماني.
وفي مرة أنا وإيما رجعنا بيتنا بدري. جلست على الكنبة اللي جنب الشباك وبصيت على نظافة المكان الهادية. ما كانش عندي
أبدا رفاهية المكان الفاضي الذكي قبل كده كان عندي دايما خنقة الصوت العالي. دلوقتي بقى عندي هدوء أقدر أستند عليه. الموبايل رن. محامي. قال باختصار القضية انتهت. التزوير مثبت وحكم للوصية الأصلية. البيت وكل ما يخصه باسمك. الأموال المجمدة هتتحول حسب الإجراءات. قلت بهدوء تمام.
سكت شوية وقال معلومة أخيرة أمك قدمت إقرارا تعترف فيه بتغيير الوصية بضغوط وطلبت تكفل التبعات. قعدت على حافة الكنبة كأني محتاجة أتأكد إن الأرض تحتي. إقرار علني. اعتراف لا قدامي بس لكن قدام الدنيا. شكرت المحامي وقفلت. حسيت إني لأول مرة بقرأ جملة كاملة في كتاب حياتي ما فيهاش حذف. كتبت لماما شكرا. ردت خلال دقيقة الحق لازم يتقال. والحق ما يقللش صاحبه.
بعد يومين اتفقنا نروح نغير جو. ركبنا عربية ماما ومشينا لطرف المدينة في كافيه على النهر الصغير الشمس كانت بتعكس نفسها على المية وتكسرها لفتافيت نور. كان المكان بسيط مفيش موسيقى مزعجة والريح ماشية على مهل. إيما كانت ماسكة بالون أحمر وتضحك لكل كلب صغير يعدي. ماما قالت وهي تبص لي لو تسمحي لي بكلمتين قلت تفضلي.
قالت لو الزمن رجع كنت هقف جنبك يوم ما قلت لي إنك حامل حتى لو معرفتش أسامحك فورا لكن كنت هقف جنبك. الكلمة الطيبة يومها كانت هتنقذك. وتنقذني أنا كمان. ابتسمت والدمعة اتكورت على حافة عيني وما وقعتش أنا دلوقتي بقرب من بنتي كل يوم وبطمنها. وبقف جنبك إنت وقت ما تحتاجي. الزمن ما بيرجعش بس القلب يقدر.
لما رجعنا البيت الكبير لقيت ماما عاملة رف صغير في الصالة عليه برواز قديم لصورة جدتي وإلى جانبه ورقة بيضاء بخط يد ماما البيت بيت الناس اللي يسكنوه بالعدل. افتكرت وقت كتبت أنا على ورقة صغيرة وحطيتها في برواز في شقتي اللي يعيش بكرامة عمره ما يخسر حتى لو خسر الكل. حسيت إن الجملتين بيكملوا بعض.
بعد كده بقت في حاجات صغيرة بتتصلح تلقائيا زي زرار وقع واتخاط. كارولين مثلا بقت بتسأل إيما تحبي تلوني بدل ما تقول تعالي عندي. فرق كبير بين الاتنين. الأولى فيها مشاركة التانية فيها سيطرة. أبويا بقى أقرب من باب الصالة بطل يقف بعيد بقى يقعد. ما بيتكلمش كتير برضه بس لما بيتكلم بقى يقول جمل كاملة.
مرة قال لي كنا بنقوللك اعرفي مكانك. كنت بقولها لنفسي في الحقيقة بس للأسف كنت بخاف من مكاني. بصيت له. قلت لسه بدري على صلاح كل حاجة بس الطريق مفتوح. هز راسه ومفرود.
في يوم جمعة إحنا في البيت ماما قالت فجأة تعالوا نروح المقاپر نزور جدتكم. الطريق كان مسحوب على سحابة خفيفة والجو لطيف. وقفنا أمام الرخام الأبيض اسم جدتي مكتوب بخط واضح. ماما قرت بصوت مسموع الفاتحة وبعدين قالت همسا سامحيني يا أمي. أنا بنتك. بس بنتك اتأخرت لما تفهم. أنا رفعت عيني للسماء وقلت في قلبي يا رب احفظ النهاية دي خليها ثابتة. مش عايزاها تبقى موجة وتروح. خليها يبس فيها الأمل.
رجعنا البيت وأول ما دخلت الجنينة لقيت كرسي خشب قديم ماما قالت كرسي جدتك. محدش كان بيقعد عليه غيرها. أنا حطيته هنا لأي واحدة فينا تتعب تقعد. قعدت. حسيت بإيد على كتفي كأن جدتي بتقول النور هنا.
عدت أيام وأسابيع ومشهد التصالح ما بقاش مشهد واحد بقى عادة صغيرة. ماما تبعت لي صورة فطور عملته بإيدها وأنا أبعت لها فيديو لإيما وهي تغني أغنيتها الجديدة. كارولين بعتتلي مرة
صورة كتاب عن الغيرة النفسية كتبوا
أستاذ معروف وقالت أول مرة أفهم نفسي من غير ما أكره نفسي. قلت لها الفهم مش معنى العفو التلقائي بس يفتح بابه. قالت وفري بابك لو ضاق. أنا هفضل أطرق على هدوء. ضحكت.
وفي ليلة مطر كنت أنا وماما في الصالة وسمعنا صوت المطر يضرب الشباك كأنه بيرسم نوتة موسيقى على الزجاج. إيما كانت نايمة والبيت ساكت بس مش فارغ. قالت ماما أنا كنت دايما أخاف من صمت البيت. حسيته كأنه محكمة. النهاردة الصمت زي دفء. قلت علشان ما فيهوش حكم. قالت وهي تبص لي علشان فيه حب.
وفي مرة تانية كانت إيما تعبانة شوية سخنت في الليل. اتصلت بماما من غير تردد. قالت أنا جاية. وجت. جابت معجون الزنجبيل اللي كانت بتعمله زمان وتحطه على صدري وأنا طفلة. حطته على صدر إيما وهي تهدهدها وتقول نامي يا قمر نامي يا روح تيتة. كنت واقفة على الباب أتفرج ودموعي نازلة. لمستها الحنونة في اللحظة دي كانت لابنتي بس كأن أثرها وصلني أنا كمان.
بعد أيام جه يوم مهم في المحكمة لتسليم رسمي وورقي. رحت أنا وماما سوا. مش علشان محتاجة سند لكن لأن وجودها كان علامة حكاية كاملة مكتوبة بجملة بسيطة اللي كان غلط اتصلح. الموظف ختم الورق وقال مبروك. ماما التفتت لي وقالت مبروك يا بنتي. قلت لينا كلنا. اللي راجع مش بيت اللي راجع طريق.
خرجنا نضحك من على السلم. الشمس كانت ضاربة على البلاط برسم هندسي حلو وماما قالت تعالي نشتري ورد ونحطه في بيتك. قلت وفي بيتك كمان. اشترينا ورد ورد أبيض وورد أصفر كأننا بنلون الكلام. حطيت أنا زهرة على الشباك في شقتي وماما حطت باقة على ترابيزة الصالة في البيت الكبير. ومن يومها بقيت أدخل الصالة وأشم ريحة الورد قبل أي ريحة تانية.
في آخر الأسبوع عملنا عزومة صغيرة للعيلة. مش كبيرة ولا فيها مظاهر بس فيها معنى. أبويا حضر شاي بنفسه وقال مش كل حاجة لازم نشيلها على ستات البيت. كارولين جابت كيكة عملتها بإيدها ولما سألتها إيما إنت اللي عملتيها قالت وهي تضحك أيوه بس متضحكيش لو طلعت ناشفة. ضحكنا وطلعت حلوة.
بعد العشاء أنا وماما خرجنا للجنينة في الليل والهواء لطيف. قالت أنا عارفة إنك مش هتنسي بسهولة ومش هتثقي بسرعة وده من حقك. بس خليني كل يوم أقدملك حاجة صغيرة من غير ما أطلب مقابل. يمكن ثقتك ترجع ببطء زي شمس بتطلع بعد غيم. قلت هي طلعت يا ماما. بس أنا محتاجة أحافظ عليها. لو سمحت لي نخلي المية تمشي بهدوء. قالت وتمشي. رفعت إيدها فوق راسي الدعوة اللي بقت عادة وقالت يا رب تحفظهم وتزيدهم وتخلي البيت ده بيت رحمة. قلت آمين.
وفي نهاية الليلة وأنا شايلة إيما وهي نعسانة مر طيف طويل زي شريط سينما قصير أنا عاملة حساب لمستقبل مختلف. تعليم لإيما ما فيهش صړاخ ولا مقارنة. أعياد ميلاد بسيطة وحقيقية. زيارات لأمي كويس إنها بتحصل مش علشان واجب علشان قلب. نظرات لكارولين مش عداء تحدي نفسي بس وراحة لما أشوفها بتحاول. وأبوي محاولته البسيطة لما يقول تعالوا نتمشى بدل ما يسكت. وأنا أنا بقيت أشوف نفسي من غير مراية مقعرة.
في آخر مشهد من الليلة دي وأنا على شرفة البيت الكبير القمر كان واضح جدا. حسيت بوجود جدتي قريب زي همسة خفيفة بتعدي من جانب أذني الشجاعة مش
ټصرخي. الشجاعة تمدي إيدك وتطبطبي على قلبك وقلب غيرك. مسكت البرواز الصغير اللي فيه ورقتي القديمة اللي جبتها وحطيتها هنا جنب وردة بيضا اللي بيعيش بكرامة عمره ما يخسر حتى لو خسر الكل. وبجانبها ورقة ماما البيت بيت الناس اللي يسكنوه بالعدل.
الوقفة كانت بسيطة بس جواها كتاب كامل. فتحت عيني على ضحكة إيما من جوا وماما بتقول لها تعالي نامي عندي الليلة هاحكيلك حكاية عن قمر بيشوف قلوب الناس. ضحكت أنا كمان وقلت وما بين قمر وجدة وحفيدة الدنيا بتتعلم من أول وجديد.
وخطوتي الأخيرة للداخل كانت خفيفة كأني ماشية في بيت اتخلق من أول وجديد بيت ما يعرفش صوت الطبق وهو بيتكسر لكن يعرف صوت القلب وهو بيتجبر. وفي قلب البيت ده عرفت إن النهاية السعيدة مش صفحة أخيرة هي عادة يومية قرار نختاره ونجدده نسامح فيه ونتعلم ونكمل لحد ما يبقى الحب هو اللغة الوحيدة اللي البيت يفهمها.