اعتنيت باطفال اختى
طالع من فتحة الأوضة، إزاي ده يكون محمود؟ وإيه اللي كان تحت ده؟ محمود؟ نطقت اسمه بصوت مهزوز، قرب مني ومد إيده عشان يلمس كتفي، لكن عمر صرخ فيه متقربش! أنت مين؟ اللي تحت ده كان مين؟
محمود عقد حواجبه باستغراب، وبص للحفرة اللي في أوضة ياسين ووشه فجأة اتحول لجمود، الابتسامة اختفت وحل مكانها نظرة هادئة. آه.. لحقتوا تفتحوا الهدايا؟ قالها ببرود وهو بيقفل باب الشقة وراه وبيرمي الترباس. كنت فاكر إن العهد هياخد وقت أكتر من كدة عشان يتفعل، بس الظاهر إن شوقكم لزينب كان أقوى من صبري.
وفجأة، النور قطع في البيت كله، وما بقيناش شايفين غير ضوء البرق اللي بيخطف العين من الشبابيك. وسط الضلمة، سمعنا صوت ضحكات أطفال جاية من كل ركن في الصالة، بس مكنتش ضحكات ولادي التسعة اللي واقفين جنبي.. دي كانت ضحكات تانية. أنا مجبتش أوراق يا هدى، صوت محمود كان بيتحرك في الصالة وكأنه في كل مكان في نفس الوقت أنا جبت الباقي.. التماثيل اللي تحت كانت محتاجة أرواح عشان تنطق، والنهاردة البيت هيكمل عيلته.
ياسين ولع كشاف موبايله بسرعة، والنور جه على ركن الصالة.. شفت ال 9 ولاد بتوعي واقفين، بس ملامحهم كانت هادية، وعيونهم باينة بوضوح. صرخت صرخة شقت السكون ووقعت على ركبي ولادي! عملت فيهم إيه يا محمود؟
محمود ظهر من ورايا، وهمس في ودني وهو بيحط إيده على راسي بهدوء دول مكنوش ولادك أبداً يا هدى.. دول كانوا مساعدين، وظيفتهم يجمعوا سنين عمرك وحنيتك ويخزنوها في السرداب عشان زينب ترجع شباب.. بس بما إن السرداب انهار، فإحنا هنغير الخطة.
بصيت لياسين، الوحيد اللي ملامحه لسه زي ما هي، وكان واقف بيبص لأبوه بذهول. محمود كمل وهو بيشاور على ياسين ياسين هو المفتاح.. هو اللي هيفتح الباب الكبير دلوقتي. وفجأة، الأرضية اللي تحتنا بدأت تتهز تاني، بس المرة دي مش السرداب اللي بيتفتح.. ده البيت كله كان بيغرق لتحت، وكأن الأرض بتبلعه باللي فيه.
وفي وسط الرعب ده، ياسين قرب من أبوه بخطوات ثابتة، ومسك إيده، وبصلي بابتسامة وقالي ببرود خالتي هدى.. أنتي لسه مصدقة إن فيه حد فينا كان ضحية؟
وفجأة، حسيت بإيدين بتطلع من تحت الأرض، بتمسك رجلي وبتشدني لتحت، وصوت محمود وياسين بقوا يترددوا في ودني بجملة واحدة أهلاً بيكي في عيلتنا الحقيقية.
الإيدين كانت بتسحبني، والبرودة اللي طالعة منها كانت واضحة. حاولت أقاوم، أرفس برجلي، بس الأرضية تحت مني اتحولت لعجينة لزجة بتشدني لقرار البيت. بصيت لعمر، كنت بتمناه يلحقني، بس شفته هو كمان واقف بمنتهى الهدوء.
فجأة، الأرضية اللي كانت بتسحبني اتهزت بقوة، بس المرة دي الحفرة بدأت تطلع نور أبيض صافي. الست اللي كانت تحت زينب الحقيقية طلعت من السرداب، بس مكنتش مسخ، كانت روح بيضاء رقيقة. التماثيل الشمع اللي في الأركان بدأت تتكسر وتحولتراب، ومع كل شكل بيتكسر، كان واحد من الولاد بيفوق كأنه كان في غيبوبة، وعيونهم بترجع طبيعية مليانة دموع حقيقية.
محمود انكمش في ركن الصالة لحد ما بقى خيال واختفى تماماً مع أول خيط شمس شق سماء الصالة، وكأن الفجر طلع فجأة عشان ينهي ليل بقاله 12 سنة. ياسين وقع على الأرض وهو بيبكي خالتو هدى؟ أنا كنت فين؟ أنا حاسس إني كنت في كابوس طويل!
رجعت لملامحي الطبيعية، ورجعت هدى اللي أعرفها. جربت المس وشي، لقيت دموعي دافية وصادقة. زينب قربت مني وطبطبت على كتفي خلاص يا هدى.. العهد انكسر، ومحمود والكيانات اللي معاه رجعوا لمكانهم. زينب دلوقتي ارتاحت.
بصيت لزينب وهي بتبتدئ تتبخر في الهوا بابتسامة حقيقية، كأنها بتودعني وبتشكرني على ال 12 سنة اللي حمتلهم فيها ولادها. البيت رجع هادي، ريحة البخور والتراب اختفت وحل مكانها ريحة المطر والورد اللي في البلكونة.
خدت التسع ولاد في حضني، وكان المرة دي حضن حقيقي، مفهوش خوف ولا غموض. فتحنا الشبابيك كلها، والشمس دخلت ملت المكان دفى. وبصينا كلنا للطريق الصحراوي اللي كان في يوم سبب الوجع، ولقينا عربيات الشرطة والإسعاف جاية عشان تساعدنا.
خرجنا كلنا من الباب، ولأول مرة من 12 سنة، محستش بالخوف وأنا بقفل الباب ورايا. مشينا في النور، والولاد بيضحكوا ضحكهم الطبيعي اللي كنت بفتقده، وعرفت إن الحنية والصدق اللي ربيتهم بيهم هما اللي كانوا الدرع اللي حمى البيت لحد ما الحق ظهر.
هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.