أختي التؤام حكايات حماده
المحتويات
الطاولة، ثم قال
هناك قرار اتخذناه.
رفعت حاجبي متعجبة.
قرار من؟
قال بثبات
أنا وأمي.
أزعجتني تلك الجملة.
فأي قرار يخص بيتي، كان ينبغي أن يُتخذ بيني وبينه... لا بينه وبين والدته.
قلت بهدوء
خيرًا إن شاء الله.
لكن حماتي سبقت أحمد إلى الكلام.
لقد تعبت يا ابنتي.
نظرت إليها باهتمام.
سلامتك.
فقالت سريعًا
الطبيب أخبرني أنني لم أعد أستطيع القيام بأي مجهود.
هززت رأسي قائلة
أسأل الله أن يشفيك.
عندها قال أحمد وهو يستند إلى ظهره
ولهذا... ابتداءً من الغد ستأتين كل يوم لتبقَي مع أمي.
ظننت في البداية أنه يمزح.
فضحكت وقلت
بعد انتهاء دوامي؟
أجاب ببرود
لا.
سألته
إذن متى؟
قال
ستتركين عملك.
اختفت الابتسامة من على وجهي.
ماذا؟
كررها بلهجة حاسمة
ستتقدمين باستقالتك.
ظللت أحدق فيه لثوانٍ.
كنت أنتظر أن يبتسم ويخبرني أنه يمزح.
لكنه لم يفعل.
كان وجهه جامدًا.
وحماتي أيضًا كانت تجلس في هدوء وكأن الأمر طبيعي تمامًا.
قلت
ولماذا أترك عملي؟
أجاب
من أجل أمي.
نظرت إليه وقلت
يمكننا الاستعانة بممرضة.
فسارعت حماتي قائلة
ومن أين آتي بأجرها؟
قلت بهدوء
أحمد يتكفل بذلك.
فصرخ لأول مرة
لن أدفع أجر ممرضة ما دامت زوجتي موجودة.
ابتلعت ريقي.
لكنني أعمل.
قال بحسم
إذن لن تعملي بعد اليوم.
ابتسمت من شدة الصدمة.
بهذه البساطة؟
قال باستخفاف
راتبك أصلًا لا يصنع فرقًا.
كانت تلك الجملة أشد إيلامًا من أي شيء آخر.
فراتبي كان يسد عجز ميزانية المنزل في نهاية كل شهر.
أنا من كنت أدفع أقساط مدرسة البنتين.
وأنا من اشتريت الثلاجة الجديدة.
وسددت أقساط الغسالة.
بل وحتى شبكة زواجنا...
كنت قد شاركت في ثمنها.
قلت وأنا أحاول السيطرة على أعصابي
حسنًا... وإذا وافقت على رعاية والدتك، فما سبب وجود أختك هنا؟
تحدثت نجلاء لأول مرة وقالت
لأنني أنا أيضًا أحتاج إليك.
ضحكت رغمًا عني.
تحتاجينني في ماذا؟
قالت بمنتهى البساطة
سأترك لك الولدين كل يوم.
ظننت أنها تمزح.
لكن عندما رأيت الجميع صامتين...
أدركت أنها تتحدث بكل جدية.
قلت
ماذا تعنين بأن تتركيهما؟
أجاب أحمد
كل صباح ستذهبين إلى منزل أمي، وستترك نجلاء طفليها هناك، وتبقين معهما حتى تعود.
نظرت إليه غير مصدقة.
وأولادي؟
قال بلامبالاة
وما
المشكلة؟
قلت
من سيتابع دراستهما؟
قال
أنت.
ومن سيعد الطعام؟
أنت.
ومن سيغسل الملابس؟
أنت.
ومن سيرعى والدتك؟
أنت.
ومن سيعتني بولدي أختك؟
أنت.
صمت قليلًا...
ثم قال بثقة مستفزة
وهل لديك ما هو أهم من ذلك؟
شعرت بأن الدم يغلي في عروقي.
قلت
نعم... عملي.
فقال ببرود
قلت لك إنك ستتركينه.
وقفت من مكاني.
لقد تعبت سنوات حتى أصل إلى هذا العمل.
قال
والبيت أولى.
أجبته بحزم
البيت لا يعني أن أتحول إلى خادمة.
وما إن خرجت الكلمة من فمي...
حتى وقفت حماتي غاضبة.
وقالت
أصبحنا عبئًا عليك إذن؟
أجبتها بسرعة
لم أقل ذلك.
فقالت وهي تتصنع البكاء
أرأيت يا أحمد؟ زوجتك تعتبرنا خدمًا.
قلت بانفعال
أنا لم أقل هذا!
لكن أحمد كان قد انحاز إليهما بالكامل.
وقف أمامي وقال
اسمعيني جيدًا.
التقطت نفسًا عميقًا.
ثم قال
غدًا صباحًا ستذهبين إلى الصيدلية... وتقدمين استقالتك.
هززت رأسي رافضة.
مستحيل.
اقترب مني خطوة.
ولماذا؟
قلت بثبات
لأن هذا حقي.
فقال
وأمي لها حق عليّ.
أجبته
إذن قم أنت بخدمتها.
احمر وجهه غضبًا.
ولأول مرة منذ زواجنا...
صرخ في وجهي بصوت مرتفع
لقد قلت كلمتي.
فنظرت إليه بثبات وقلت
وأنا أيضًا قلت كلمتي.
ساد صمت ثقيل...
حتى إنني كنت أسمع صوت عقارب ساعة الحائط.
ثم...
ابتسم.
ابتسامة غريبة.
وقال بمنتهى الهدوء
إذن اسمعي الشرط الأخير.
نظرت إليه بصمت.
فقال وهو يحدق في عيني مباشرة
إذا لم تقدمي استقالتك غدًا... فاعتبري نفسك مطلقة، وسأتركك أنت والبنتين، وأتزوج امرأة تعرف كيف تقدر قيمتي.
وقعت كلماته على أذني كالصاعقة.
خرجت ابنتي لينا من غرفتها على وقع صراخنا.
وقفت تنظر إلينا وهي ترتجف خوفًا.
أما مريم...
فاحتضنت ساقي وهي تبكي بصوت مكسور
أمي... هل سيطلقك أبي حقًا؟
نظرت إلى ابنتيّ...
ثم رفعت بصري إلى أحمد.
ولأول مرة في حياتي...
شعرت أن الرجل الواقف أمامي ليس الزوج الذي عرفته يومًا.
لكنه لم يكن يعلم...
أنه وهو يهددني بالطلاق...
كان هناك سر كبير أخفاه عني لسنوات.
ولو خرج ذلك السر إلى النور...
فلن أكون أنا من سيخسر كل شيء...
بل سيكون هو أول النادمين على نطقه بكلمة الطلاق.
يتبع...
مرّت تلك الليلة وكأنها عام كامل.
لم أنم.
لم أبكِ.
ولم أحاول حتى إقناع أحمد بالتراجع.
جلست إلى جوار ابنتيّ حتى غلبهما النوم، بينما كانت كلماته تتردد في رأسي اعتبري نفسك مطلقة.
لكن أحمد لم يكن يعلم أن هناك حقيقة أخفاها عني منذ سنوات، وأنني اكتشفتها بالصدفة قبل أسبوعين فقط... واخترت الصمت حتى أتأكد.
في صباح اليوم التالي، ارتديت ملابسي كعادتي.
نظر إليّ أحمد باستغراب وقال
رايحة فين؟
أجبته بهدوء
إلى الصيدلية.
ابتسم بسخرية.
يعني قررتِ تعاندي؟
قلت
لا... قررت أخلّص شغلًا مهمًا.
هز كتفيه وقال
براحتك... بس لما ترجعي، هتلاقي ورقة الطلاق مستنياكي.
خرجت دون أن أرد.
لكنني لم أتجه إلى الصيدلية أولًا.
ذهبت إلى مكتب محامٍ كنت قد استشرته قبل أيام، بعدما اكتشفت الأمر الذي قلب حياتي.
وضعت أمامه الملف الأزرق.
فتح الأوراق، ثم ابتسم وقال
الحمد لله أنك احتفظتِ بكل هذه المستندات.
قلت
يعني موقفي قوي؟
أجاب بثقة
أقوى مما تتصورين.
خرجت من عنده، ثم ذهبت إلى عملي، وأنهيت مناوبتي كأن شيئًا لم يحدث.
وفي المساء عدت إلى المنزل.
كان أحمد يجلس في غرفة الجلوس، وإلى جواره والدته وشقيقته.
وبمجرد أن رآني، رمى ورقة على الطاولة وقال
اتفضلي... دي ورقة الطلاق.
نظرت إليها بهدوء.
ثم التقطتها.
وطويتها.
ووضعتها داخل حقيبتي.
اتسعت عيناه بدهشة.
كان ينتظر أن أنهار.
أن أبكي.
أن أترجاه.
لكني قلت بهدوء
شكرًا.
قطب حاجبيه.
شكرًا؟
قلت
أيوه... ريحتني.
ساد صمت ثقيل.
قالت حماتي بانفعال
شايفة يا أحمد؟! كانت مستنية الطلاق!
ابتسمت وأنا أخرج ملفًا من حقيبتي.
ووضعته أمامه.
قلت
قبل ما تفرحوا... في حاجة لازم تشوفوها.
فتح أحمد الملف بلا اهتمام.
لكن بعد ثوانٍ...
تغير لون وجهه.
بدأت يداه ترتجفان.
وقالت نجلاء بقلق
في إيه؟
لم يجب.
ظل يقلب الأوراق بسرعة وكأنه يبحث عن مخرج.
صرخت والدته
اتكلم!
رفع رأسه نحوي وهو يهمس
إنتِ... عرفتي من إمتى؟
نظرت إليه بثبات.
وقلت
من أسبوعين.
شهقت حماته.
عرفت إيه؟
أخرجت ورقة أخرى، ووضعتها أمامها.
ثم قلت
عرفت إن الشقة اللي إحنا عايشين فيها... مش باسم أحمد.
تجمد الجميع.
وأكملت
ولا العربية.
ثم وضعت ورقة ثالثة.
ولا المحل.
وأخيرًا أخرجت آخر مستند.
وقلت
لأن كل الممتلكات دي مرهونة بسبب ديون ضخمة أخفاها عن الجميع... وصدرت بحقه إجراءات تنفيذ قبل أشهر.
اتسعت عينا نجلاء.
ونظرت
إلى شقيقها في ذهول.
أما
متابعة القراءة