«مرات أبويا خلتني أقابل

لمحة نيوز

 سعاد كانت تبتسم بانتظار أن يشتكي منها طارق، لكنه قال بابتسامة
والله يا سيدتي، هنا فتاة نادرة الوجود. صريحة جداً وذكية، وأنا سعيد جداً بمعرفتها.
وجه سعاد تغير من المفاجأة، وحاولت أن تقلب الحديث
دي بتتعشى يابني، ما تاخدش كلامها على محمل الجد!
طارق نظر لسعاد بلباقة لكن بحزم
الصدق مش تعب يا سيدتي. وأنا بحترم اللي بيقول اللي في قلبه على طول.
بعد أن انصرفوا، بقيتُ أفكر في كلامه طوال الليل. لم أتخيل أبداً أن أحداً سيرى في تصرفاتي شيئاً جيداً. طوال حياتي، كان الناس يطلبون مني أن أكون هادئة، مطيعة، صامتة.. فقط طارق قال لي إن صراحتي شيء ثمين.
مر أسبوع، وبدأ يزورني بانتظام. لم يأتِ في كل مرة ليحدثني عن الزواج.. بل كان يأتي ليستمع إليّ. يسألني عن رأيي في الأشياء، يروي لي قصصه، ويشاركني أحلامه. اكتشفتُ أنه ليس ذلك الرجل المتكبر الذي حذرتني منه سعاد. هو رجل نشأ في بيئة صارمة، تعلم أن القوة لا تعني القسۏة، والكرامة لا تعني الابتعاد عن الناس.
ذات يوم، أخبرته بما كنت أسمعه عن عائلته
الناس بتقول إن عيلتكم قاسيين، ومحدش يقدر يقف قدامكم.
ابتسم بمرارة وقال
أبوي كان صارم جداً، وكان بيحب النظام والجدية. الناس شافت الصرامة ونسوا إن وراها خوف على المصلحة. كتير من الناس اللي ساعدهم أبويا في الخفاء ما حدش يعرفهم. بس اللي يظهر للناس دائماً الصورة الخارجية مش الحقيقة الكاملة.
شعرت بالخجل من نفسي
أنا آسفة.. أنا كمان حكمت عليكم من غير ما أعرفكم.
ولا يهمك.. كل البشر يحكموا على المظاهر أولاً. الاختلاف إننا نصحح الخطأ بعدين ولا نكمل فيه.
الجزء الرابع المواجهة الحقيقية
كلما اقتربنا من بعض، ازدادت سعاد توتراً وغضباً. كانت تتوقع أن يتركني، فإذا به يزداد إعجاباً بي يوماً بعد يوم. بدأت تضع العراقيل تختفي ملابسي، تتعمد إحراجي أمام الناس، وتقول لي كلاماً جارحاً حين أكون وحدي معها.
بتضحكي عليهم صح؟ هو مش هيتجوزك يا وردة الشوك.. انتِ مجرد بنت لا أب ولا أم، ومفيش منك فايدة!
كتمت ألمي وقلت بثبات
هو حر في اختياره يا سيدتي. وأنا لم أطلب منه شيئاً.
في أحد الأيام، وبينما كنتُ في السوق التقيتُ بالحاجة فاطمة. أخذتني بيدها إلى جانبها وقالت بصوت دافئ
أعرف إنكِ بتتعبي مع سعاد. وأعرف إنها مش سهلة عليكي. بس طارق
اختارك بكل وعي وإرادة. ونحن في بيت العوضي لا نعترف باختيار إلا اختياره. كوني قوية يا بنتي، فالطريق لن يكون سهلاً، لكن الحب والصدق يبنيان ولا يهدمان.
دموعي انهمرت رغماً عني. لأول مرة أشعر أنني لست وحيدة في المعركة.
قررتُ أن أكون صادقة مع طارق بكل شيء. أخبرته لماذا تصرفتُ بغرابة في أول لقاء، أخبرته عن خطتي لجعله يكرهني، أخبرته عن خۏفي من المستقبل ومن سعاد ومن كل شيء. استمع إليّ بصمت تام، ثم مد يده وأمسك بيدي برفق
شكراً لأنك أخبرتيني بكل ده. أفهم خۏفك تماماً. وأعدهكِ أنني سأكون بجانبكِ حتى تثقي بي تماماً. لن أجبركِ على شيء، ولن أطلب منكِ شيئاً إلا حين تكوني مستعدة بكل قلبكِ.
كلماته ذابت الجليد الذي بنيته حول قلبي لسنوات طويلة.
الجزء الخامس حين واجهنا الصعوبات معاً
قبل يوم من خطوبتنا، اجتمعت العائلة في بيت الحاج بسيوني. كانت سعاد قد أعدت خطة أخيرة لټدمير علاقتنا. وقفت أمام الجميع وقالت بصوت عالٍ
يجب أن تعرفوا الحقيقة.. هنا كانت تحاول تفرق بيننا وبين طارق! كانت تتعمد إظهار نفسها بأسلوب سيء عشان يتركني قبل ما يتم الزواج!
ساد صمت ثقيل. الټفت الجميع نحوي، وارتجف قلبي. تقدمتُ خطوة للأمام، ونظرتُ للجميع بصدق وقلبي يرتجف لكنني صامدة
صدقتِ يا سيدتي.. كنتِ محقة في الجزء الأول. أنا فعلاً حاولتُ أن أجعله يكرهني. لم أكن أريد هذا الزواج لأنني كنتُ أظن أنني هنا مجرد قطعة أرض تُباع وتُشترى. كنتُ خائڤة، وحيدة، ومحطمة. لكن ما لم تعرفيه هو أن طارق لم يكرهني حين رأى عيوبي.. بل علمني أنني أستحق أن أُحب حتى مع عيوبي.
توقفتُ للحظة ثم أكملت بصوت أقوى
لم أفعل شيئاً خاطئاً سوى أنني كنتُ أحمي نفسي من ألم كنتُ أتوقعه. واليوم.. أنا هنا لأنني أريد أن أكون هنا. باختياري. وبكل قلبي.
تحدث طارق حين انتهيت، بصوت حازم وواثق
أنا لا أتزوجها لأنني مضطر. أتزوجها لأنها الإنسانة الوحيدة التي رأتها نفسي بكل عيوبها ومخاوفها وأحببتُها. ومن يحب إنساناً لا يطلب منه أن يتغير.. بل يساعده ليكون أفضل نسخة من نفسه.
الحاج بسيوني، الذي لم يتكلم طوال الوقت، قام ببطء واقترب مني، وضع يده على كتفي وقال بصوت عميق ومؤثر
البيت بيحتاج للصدق زي ما الأرض بتحتاج للمطر. والصدق اللي سمعته اليوم نادر جداً. أهلاً بكِ يا بنت.. في بيتكِ الجديد.
سعاد خرجت من الغرفة صامتة، وقد خابت كل مخططاتها. لم أشعر بالانتصار عليها، فقط شعرتُ بالشفقة.. لأنها طوال حياتها لم تتعلم أن السعادة لا تأتي بټدمير الآخرين، بل ببنائهم.
الجزء السادس خطوبة بقلوب مفتوحة
في يوم الخطوبة، لم يكن هناك مئات الضيوف ولا حفلة صاخبة. فقط العائلة والأصدقاء المقربون. لبستُ فستاناً بسيطاً بلون زهري خفيف، وشعرتُ بجمال لم أشعر
به من قبل.. ليس لأنني أرتدي فستاناً جميلاً، بل لأنني كنتُ مرتاحة البال والقلب.
طارق جاء، وبيده صندوق صغير. حين فتحته، وجدتُ خاتماً بسيطاً جداً، وفيه حجر صغير لامع كالدمع. قال لي بصوت يسمعه الحضور
ما جبتلكِ أغلى خاتم في الدنيا، لأنني مش عاوزكِ تفتكري بقيمته.. أريدكِ دائماً تتذكري إن قيمتكِ عندي أكبر من أي مجوهرات. هذا الخاتم رمز لاتفاق بيننا سأحترم حريتكِ، سأستمع إليكِ دائماً، وسأكون بجانبكِ في السراء والضراء. هل تقبلينني زوجاً لكِ؟
دموع الفرح ملأت عيني وقلت بصوت مسموع
أقبل.. بكل قلبي.
تصفيق دافئ ملأ المكان، وفي تلك اللحظة نظرتُ حولي.. رأيتُ الحاجة فاطمة تبتسم لي بدموع الفرح، والحاج بسيوني يرمز لي باحترام، وطارق ينظر إليّ وكأنني أغلى ما يملك في الدنيا. حتى سعاد، وقفت في الخلفية تنظر إلينا بصمت، وكأنها لأول مرة ترى أن سعادتي لم تكن خسارتها.
عرفتُ حينها أنني لم أخطط لما حدث، ولم أتوقعه أبداً. لكن الحب الحقيقي يأتي في الوقت الذي نتوقف فيه عن البحث عنه، ويجدنا حين نكون على طبيعتنا بكل صدق 
تمت القصة بحمد الله

تم نسخ الرابط