الغريب الذى اتبرع ليا
المحتويات
إن الحياة ممكن تبدأ من جديد.
صفق الجميع.
وبعد انتهاء الحفل، اقترب الشاب من يوسف وقال
أنا عايز أعمل زيك.
ابتسم يوسف.
تعمل إيه؟
قال
أساعد حد تاني.
وضع يوسف يده على كتفه وقال
كده أنت فهمت الفكرة.
نظرت إليهما من بعيد، وشعرت أن الدائرة اكتملت.
يوسف أنقذني.
وأنا ساعدته يتمسك بالأمل.
ووالده كان قد زرع الخير قبل أن نولد.
والآن أصبح هناك أشخاص جدد يحملون نفس الفكرة.
في تلك الليلة، عدنا إلى المنزل.
جلسنا في الشرفة نفسها التي جلسنا فيها منذ سنوات طويلة.
سألني يوسف
لو الزمن رجع لأول يوم قابلتيني فيه، كنتِ هتوافقي تتعرفي عليّ؟
ضحكت.
كنت هخاف منك.
ليه؟
عشان واحد غريب يقرر يتبرع لي بكلية من غير ما يعرفني؟ كنت هقول أكيد وراه حكاية.
ضحك.
وكان فعلًا ورايا حكاية.
نظرت إليه.
بس أحلى حكاية حصلتلي.
أمسك يدي.
وبعد لحظة صمت قال
أنا عايز منك وعد.
إيه؟
لو حصل لي أي حاجة في المستقبل،
ما توقفيش.
نظرت إليه پغضب مصطنع.
إنت لسه هتبدأ؟
ضحك.
قصدي على المشروع... على الناس اللي ساعدناهم... على الخير.
ضغطت على يده وقلت
أوعدك.
ثم ابتسمت.
بس عندي وعد ليك أنت كمان.
إيه؟
مهما حصل، هفضل فاكرة إنك في يوم من الأيام كنت الغريب اللي دخل حياتي.
ضحك وقال
وأنا هفضل فاكر إن الغريبة دي سړقت قلبي بعد ما سړقت منها كليتي!
ضحكنا معًا.
وفي تلك اللحظة لم يكن هناك خوف من الماضي ولا قلق من المستقبل.
فقط رجل وامرأة جمعتهما صدفة غريبة، ثم تحولت الصدفة إلى حياة كاملة.
وأدركت أخيرًا أن بعض القصص لا تنتهي عندما نكتب كلمة النهاية.
لأن أجمل القصص...
تستمر في حياة الأشخاص الذين تغيروا بسببها.
تمت مرت سنوات طويلة، وأصبحت حكاية يوسف معي مجرد ذكرى جميلة نرويها لأولادنا وأحفادنا.
أما يوسف، فكان كل عام يذهب إلى المستشفى لإجراء فحوصاته، وفي كل مرة كان الطبيب يقول له
حالتك مستقرة والحمد لله.
وفي أحد الأيام، عدنا إلى المستشفى نفسه الذي بدأت فيه قصتنا.
وقفنا أمام الغرفة التي كنت أعيش فيها أيام الغسيل الكلوي، فنظر يوسف إليّ وقال
فاكرة المكان ده؟
ابتسمت والدموع في عيني.
مستحيل أنساه.
قال
هنا كنتِ مستنية حد ينقذك.
ثم أمسك يدي وأضاف
وأنا هنا بدأت أعرف إن حياتي ليها معنى أكبر.
جلسنا قليلًا نتذكر الماضي.
ثم دخل علينا الطبيب الذي أجرى العملية منذ سنوات.
ابتسم عندما رآنا وقال
مش مصدق إنكم لسه مع بعض بعد كل السنين دي.
ضحك يوسف وقال
مش بس مع بعض... دي لسه بتزعقلي!
ضحكنا جميعًا.
وقبل أن نغادر، أعطاني الطبيب ملفًا قديمًا.
قال
ده كان في أرشيف المستشفى، وكنت محتفظ بيه عشان أديهولك.
فتحته.
وجدت أول تقرير لعملية زراعة الكلية.
وتحت التقرير كانت هناك جملة كتبها الطبيب في ذلك اليوم
نجاح العملية لا يعني أن المړيضة عادت للحياة
فقط... بل يعني أن شخصًا آخر قرر أن يمنحها فرصة.
أغلقت الملف.
ونظرت إلى يوسف.
قلت
عمرك ندمت؟
هز رأسه.
على التبرع؟
أيوه.
ابتسم.
لو رجع الزمن، كنت هعملها تاني.
قلت
حتى لو كنت عارف إننا هنتجوز؟
ضحك
كنت هتبرع وأتجوزك برضه.
ضحكت وقلت
وأنا لو رجع الزمن، كنت هخاف منك في الأول.
وبعدها؟
أمسكت يده.
وبعدها كنت هحبك.
خرجنا من المستشفى معًا.
وفي الطريق، مررنا بجوار المركز الذي أنشأناه.
كان مليئًا بالمرضى والأطباء والمتطوعين.
توقفت أمام الباب ونظرت إلى اللافتة.
ثم قلت
شايف عملنا إيه؟
قال يوسف
إحنا ما عملناش ده لوحدنا.
ثم أشار إلى الناس بالداخل.
كل واحد ساعد حد كمل الحكاية.
ابتسمت.
وعرفت أن هذه كانت الحقيقة الأخيرة.
يوسف لم يكن مجرد غريب تبرع لي بكلية.
ولم أكن مجرد امرأة أنقذها شخص غريب.
كنا حلقة في سلسلة طويلة من الخير بدأت قبل أن نلتقي، واستمرت بعدنا.
وفي آخر ليلة من ذلك العام، جلست بجوار يوسف في الشرفة.
كانت يده تمسك يدي.
قال
لو سألوك عن أغرب حاجة حصلت في حياتك، هتقولي إيه؟
نظرت إليه وابتسمت.
قلت
هقول إن أغرب يوم في حياتي كان اليوم اللي دخل فيه شخص غريب المستشفى، وتبرع لي بجزء من جسده.
سألني
وبعدين؟
قلت
وبعدين اكتشفت إنه ما كانش غريب.
سكت قليلًا، ثم قلت
كان الشخص اللي ربنا بعته لي عشان يعلمني إن الحياة ممكن تبدأ من جديد.
ابتسم يوسف وقبّل يدي.
وبقيت بجواره حتى أشرقت الشمس.
لم تكن هناك خېانة.
ولا سر مظلم.
ولا نهاية مأساوية.
فقط رجل وامرأة التقيا في أصعب لحظة من حياتهما، فاختارا أن يكونا سندًا لبعضهما، وحوّلا الألم إلى أمل، والخۏف إلى حياة، والخير إلى طريق يستمر.
وهكذا انتهت الحكاية... لكن الخير الذي بدأها لم ينتهِ أبدًا.
النهاية بعد سنوات، ظننت أن الحكاية انتهت فعلًا.
لكن الحياة كانت تخبئ لنا مفاجأة جديدة.
في صباح يوم الجمعة، كنت في المركز أراجع ملفات المرضى، عندما دخلت فتاة في بداية العشرينات، تمسك بيد رجل مسن.
قالت للموظفة
أنا جاية أقابل مدام...
خرجت إليها.
أنا مين أقدر أساعدك؟
قالت
أنا اسمي سلمى، وده جدي.
نظر الرجل إليّ طويلًا، ثم قال
أنا عرفت أبوكي.
توقفت مكاني.
أبويا؟
أومأ.
وكان لي معاه موقف عمري ما نسيته.
جلست أمامه.
قال
من سنين، كنت في أصعب فترة في حياتي. كنت مريض ومش قادر أدفع تكاليف العلاج.
ثم ابتسم بحزن.
أبوكي دفعها كلها، ورفض ياخد مني جنيه واحد.
شعرت بالدموع في عيني.
ليه ما عرفتش ده قبل كده؟
قال
لأنه طلب مني ما أقولش لحد.
ثم أخرج ورقة قديمة.
لكن قبل ما ېموت، قال لي لو في يوم قابلت بنتي، قول لها إن أبوها كان بيؤمن إن الإنسان عمره قصير، لكن الخير ممكن يعيش بعده.
قرأت الورقة أكثر من مرة.
وعندما عاد يوسف من المستشفى، أخبرته بما حدث.
ابتسم وقال
كل مرة نفتكر إننا وصلنا لنهاية الحكاية، نكتشف فصل جديد.
قلت
يمكن الحكاية مش بتاعتنا لوحدنا.
أمال بتاعة مين؟
نظرت إلى المركز.
بتاعة كل واحد ساعدناه.
بعد أيام، اتخذنا قرارًا جديدًا.
أنشأنا صندوقًا خاصًا باسم فرصة للحياة، يساعد المرضى الذين ينتظرون عمليات زراعة الأعضاء، خصوصًا من لا يملكون المال الكافي للعلاج.
لم نكن نتوقع أن الفكرة ستكبر بهذه السرعة.
خلال عام واحد، ساعد الصندوق عشرات الأسر.
وفي إحدى الليالي، جاءنا اتصال من المستشفى.
كان هناك شاب صغير في التاسعة عشرة من عمره، وحالته أصبحت حرجة.
قال الطبيب
عندنا متبرع متوافق، لكن الأسرة غير قادرة على تحمل تكاليف العملية.
نظرت إلى يوسف.
لم نتبادل حتى كلمة واحدة.
قال
ادفعوا كل اللي نقدر عليه.
وبعد أسابيع، نجحت العملية.
جاء الشاب إلى المركز بعد خروجه من المستشفى.
كان ضعيفًا، لكنه يبتسم.
قال
أنا كنت فاكر إن خلاص، مفيش أمل.
ثم نظر إلى يوسف.
أنت السبب إني عايش.
رد يوسف
لأ.
استغرب الشاب.
قال يوسف
أنا كنت مجرد حلقة في سلسلة طويلة.
ثم أشار إلى صورة والده المعلقة على الحائط.
كل واحد فينا بيعمل حاجة صغيرة، وبعدها شخص تاني يكملها.
ظل الشاب ينظر إلى الصورة.
ثم قال
وأنا عايز أكملها.
ابتسم يوسف.
يبقى كده كل اللي عملناه ما راحش هدر.
مرت الأيام.
وفي ذكرى زواجنا الثلاثين، قرر أولادنا وأحفادنا أن يفاجئونا.
أخذونا إلى نفس الحديقة التي عقدنا فيها قراننا.
وجدنا عشرات الأشخاص الذين ساعدهم المركز واقفين هناك.
بعضهم كان يحمل صورًا لأفراد عائلاتهم الذين نجوا.
وبعضهم جاء فقط ليقول شكرًا.
وقفت مذهولة.
ثم سمعت صوت يوسف بجواري
شكلك لسه مش مصدقة.
قلت
أنا مش مصدقة إن كل ده بدأ من كلية.
ضحك.
وأنا مش مصدق إنك وافقتي عليّ بعد شهر واحد!
ضحك الجميع.
ثم تقدم أحد الشباب وقال
ممكن أقول حاجة؟
قلت
طبعًا.
قال
أنا واحد من الناس اللي ساعدتوهم. بس النهارده أنا مش جاي أشكركم.
استغربت.
أمال جاي ليه؟
ابتسم وقال
جاي أقول لكم إننا إحنا كمان بدأنا نساعد ناس تانية.
وأشار إلى مجموعة من الشباب خلفه.
عملنا فريق تطوعي، وبقينا نساعد مرضى الكلى ونوفر لهم احتياجات العلاج والمواصلات.
نظرت إلى يوسف.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
قال لي بهدوء
دلوقتي فهمتي؟
إيه؟
الخير لما يتزرع صح، بيعمل غابة.
ابتسمت وسط دموعي.
وفي نهاية الاحتفال، اقترب مني يوسف.
أمسك يدي وقال
عندي سؤال.
ضحكت.
تاني؟
قال
لو رجعنا لأول يوم... يوم ما كنتِ بتبصيلي كأني أغرب إنسان في الدنيا...
قلت
كنت هقولك شكرًا.
وبس؟
لأ.
ثم اقتربت منه وقلت
كنت هقولك إنك مش غريب.
ابتسم.
ليه؟
قلت
لأن بعض الناس بتدخل حياتنا لأول مرة، لكن قلوبنا بتحس إنها كانت مستنيّاهم من زمان.
ضم يدي إلى يده.
ومشينا معًا في الحديقة التي بدأت فيها حكايتنا.
لم نكن نعرف ماذا سيحدث غدًا.
لكننا لم نعد نخاف من الغد.
لأننا تعلمنا أن الحياة لا تُقاس بعدد السنوات التي نعيشها...
بل بعدد الأرواح التي نترك فيها أثرًا طيبًا.
النهاية.
أجاب
اسمه يوسف.
لم يكن الاسم يعني لي شيئًا.
كان شخصًا غريبًا تمامًا عني، تطوع للخضوع لعملية جراحية كبيرة حتى أتمكن من الحياة، ولم أستطع أن أفهم لماذا قد يفعل شخص ذلك من أجل إنسانة لا يعرفها.
وعندما التقيت يوسف أخيرًا، سألته مباشرة
إنت ليه تعمل حاجة كبيرة زي دي عشان واحدة ما تعرفهاش أصلًا؟
ابتسم بهدوء وقال
يمكن لأني لو كنت مكانك، كنت أتمنى ألاقي حد يساعدني.
أخبرني أن صديقًا مشتركًا حدثه عن حالتي، وفي البداية دفعه الفضول إلى إجراء الفحوصات.
وعندما ظهرت النتائج وأثبتت أنه متوافق معي، شعر أن التراجع لم يعد ممكنًا.
قال
عرفت إني أقدر أساعدك، وبعد ما عرفت كده، حسيت إن إني أمشي وأسيبك مش صح.
تمت عملية زراعة الكلية بنجاح.
وبدأت كليتي الجديدة في العمل تقريبًا فورًا.
وخلال فترة تعافيّ، كان يوسف يزورني باستمرار.
في البداية ظننت أنه يأتي فقط ليطمئن أن تضحيته لم تذهب هباءً.
لكن زياراته بدأت تتكرر أكثر.
كان يحضر لي القهوة والكتب وبعض احتياجات المنزل.
وأحيانًا كان يأتي دون أن يحمل شيئًا على الإطلاق، ويجلس بجواري فقط لنتحدث.
وبمرور الوقت اختفى ذلك الشعور الغريب بالامتنان الذي كان يربطني به.
لم يعد يوسف بالنسبة لي الرجل الذي أنقذ حياتي.
أصبح شخصًا أحب وجوده بجواري فعلًا.
كنا نضحك معًا بسهولة، ونخرج في نزهات قصيرة خلال فترة تعافينا، ونظل نتحدث حتى وقت متأخر من الليل عن كل شيء؛ من ذكريات طفولتنا إلى أحلامنا للمستقبل.
وفي مكان ما وسط كل ذلك، تحولت مشاعر الامتنان إلى صداقة.
ثم تحولت الصداقة إلى حب.
بدأت أقع في حبه.
لكنني لم أخبره.
كنت أخشى أن تكون مشاعري مجرد نتيجة للامتنان الذي أحمله تجاهه.
ثم بعد شهر واحد فقط من عملية زراعة الكلية، ظهر يوسف أمام باب شقتي.
لكنه كان يبدو مختلفًا تمامًا.
لم تكن هناك ابتسامته المعتادة.
ولا كيس مشتريات في يده.
ولا تلك الدعابة التي كنت دائمًا أراها في عينيه.
قال
ممكن أدخل؟
سمحت له بالدخول.
جلس أمامي إلى طاولة المطبخ لعدة ثوانٍ وظل صامتًا قبل أن يتحدث أخيرًا.
قال
الدكاترة لقوا حاجة في الفحوصات الأخيرة.
انقبضت معدتي.
سألته بسرعة
حاجة بسبب التبرع؟
هز رأسه
لأ.
ابتلع بصعوبة، ثم قال
سړطان.
حدقت فيه دون أن أستوعب الكلمة.
شرح لي يوسف أن المړض كان خطيرًا، وأن العلاج قد يمنحه وقتًا أطول، لكن الأطباء لم يستطيعوا أن يضمنوا له الشفاء.
سألته بصوت مرتجف
يعني... فاضلك قد إيه؟
خفض عينيه وقال
هم نفسهم مش عارفين.
ساد الصمت بيننا.
ثم مد يده عبر الطاولة وأمسك بيدي.
قال
أنا مش عارف إيه اللي هيحصل بعد كده، بس عارف حاجة واحدة... مش عايز أقضي الوقت اللي باقي لي لوحدي.
وقبل أن أتمكن من الرد، أخرج من جيبه علبة صغيرة ووضعها أمامي.
فتحها.
كان بداخلها خاتم.
نظر إلى عيني وقال
تتجوزيني؟
شعرت أن العالم توقف حولي.
كان الطلب مفاجئًا.
لكنني كنت أحبه.
ورغم خۏفي من المستقبل، قلت
موافقة.
لم نخطط لحفل كبير.
أردنا أن يكون كل شيء بسيطًا.
دعونا أقرب أفراد عائلتينا وبعض أصدقائنا، وأقمنا عقد القران في قاعة صغيرة بحديقة هادئة، ثم اجتمعنا بعدها حول مائدة عشاء بسيطة.
وقبل عقد القران، طلبت من يوسف وعدًا واحدًا.
نظرت في عينيه وقلت
مفيش أسرار بينا.
ثبت عينيه في عيني وقال
مفيش أسرار.
بعد دقائق، جلسنا أمام المأذون.
تبادلنا عبارات القبول، وتم عقد قراننا وسط فرحة الأهل والأصدقاء.
صفق الجميع.
والتفتُّ إلى يوسف، متوقعة أن أرى
متابعة القراءة