رجل احتل نص كرسي

لمحة نيوز

راجل احتل نص كرسيي في الطيارة لمدة 4 ساعات، ولما طلبت منه يحترمني ضحك وقال لي إنتِ قصيرة ومش محتاجة كل المساحة دي! لكنه أول ما رجع من الحمّام واكتشف إني مشيت من جنبه، صړخ قدام الركاب كلهم إنتِ عملتي إيه؟!، واللي حصل بعدها خلّاه يندم على كل كلمة قالها ليا! 
أنا عندي 61 سنة، وعمري ما تخيلت إن رحلة طيران كنت مستنياها بفارغ الصبر عشان أقابل أول حفيدة ليا، هتتحول لواحدة من أصعب التجارب اللي مريت بيها في حياتي.
كنت مسافرة لوحدي لأول مرة من بعد ۏفاة جوزي، الله يرحمه، وكنت حاسة بمشاعر متلخبطة بين الفرحة والخۏف والوحدة. بنتي كانت والدة من أيام، وكل مكالمة فيديو بينا كانت بتخليني أعد الساعات لحد ما أشوف حفيدتي بعيني، وأشيلها بين إيديا، وأشم ريحتها، وأحس إن الدنيا لسه فيها حاجات حلوة تستاهل نعيش عشانها.
لكن اللي ماكنتش أعرفه إن فيه شخص غريب هيخليني أكتشف درس مهم جدًا عن نفسي، درس كنت محتاجة أتعلمه من زمان.
اسمي مارجريت، وعندي واحد وستين سنة. طولي حوالي متر وخمسة وخمسين سنتيمتر، وجسمي صغير، وطبعي هادي، وبكره الخناق والمشاكل. طول عمري كنت من
النوع اللي يفضل يتنازل عن حقه عشان ما يزعلش حد، واللي ممكن يسمع كلمة تضايقه ويسكت، مش لأنه ضعيف، لكن لأنه بيعتقد إن راحة البال أهم من الدخول في جدال ملوش لازمة.
جوزي الراحل، روبرت، كان عكس طبعي تمامًا في النقطة دي. كان هادي هو كمان، لكنه ماكانش بيسمح لحد يتجاوز حدوده معاه.
وكان دايمًا يقولي
يا مارجريت، الطيبة مش معناها إنك تسمحي للناس تدوس عليكي. فيه فرق كبير بين إنك تكوني إنسانة محترمة، وإنك تتنازلي عن كرامتك عشان ترضي كل اللي حواليكي.
كنت أضحك وأرد عليه
يا روبرت، مش كل حاجة تستاهل الخناق.
فيبتسم ويقول
أنا مش بقولك اټخانقي. أنا بقولك ما تسكتيش عن حقك.
وقتها كنت فاكرة إنه بيبالغ.
لكن بعد ۏفاته السنة اللي فاتت، بدأت أفهم إن الحياة ساعات بتحطك قدام مواقف ما ينفعش فيها السكوت.
والرحلة دي كانت أول اختبار حقيقي ليا.
بداية الرحلة اللي اتحولت لكابوس
وصلت المطار بدري، ومعايا شنطة صغيرة فيها هدومي، وشنطة يد فيها أوراق السفر، وكتاب كنت ناوية أقرأه في الطيارة.
قبل ما أتحرك من البيت، كنت اتصلت ببنتي إيميلي.
قالت لي وهي بتضحك
ماما، بالله عليكي خليبالك من نفسك، وما تتعبيش. أول ما توصلي ابعتيلي رسالة، وأنا هكون مستنياكي عند بوابة الخروج.
قلت لها
ما تقلقيش يا حبيبتي. أنا بقيت ست كبيرة، مش طفلة.
ردت بسرعة
بالنسبة لي، هتفضلي ماما اللي لازم أطمن عليها كل شوية.
ضحكت، وقفلت معاها، وأنا حاسة إن قلبي مليان فرحة.
كنت حاجزة كرسي جنب الشباك، ودافعة مبلغ إضافي عشان أضمن مكاني وأقضي الرحلة براحة. الرحلة كانت طويلة، وكنت عايزة أبص من الشباك، وأقرأ شوية، ويمكن أنام ساعة أو اتنين.
لما دخلت الطيارة، وصلت لصفّي، وحطيت شنطة اليد في المكان المخصص ليها، وبعدين قعدت على الكرسي.
كان جنبي راجل طويل وعريض الكتفين، باين عليه إنه في أوائل الخمسينات. لابس قميص غالي، وساعة فخمة، وجزمة لامعة، وماسك موبايل كبير بيتكلم فيه بصوت عالي.
كان شكله شخص متعود إن الناس تسمع كلامه.
بصيت له بابتسامة مهذبة وقلت
صباح الخير.
ما ردش حتى.
كملت عادي، وربطت حزام الأمان، وفتحت الكتاب اللي معايا.
لكن قبل ما الطيارة تتحرك من مكانها، حسيت بحاجة بتضغط على ركبتي.
بصيت لتحت، لقيت ركبة الراجل لازقة في رجلي، مع إنه كان ممكن يعدل وضعه شوية.
حاولت أتحرك ناحية الشباك، على قد ما
أقدر، عشان أسيب له مساحة.
لكنه، بدل ما يلم رجله، فتحها أكتر!
بصيت له باستغراب، وقلت بأدب
معلش يا فندم، ممكن تحرك رجلك شوية؟ إنت ضاغط على رجلي.
رفع عينه من الموبايل، وبص لي من فوق لتحت، وبعدها ضحك ضحكة قصيرة مستفزة.
وقال
إنتِ صغيرة أوي كده ليه؟!
افتكرت إنه بيهزر، فابتسمت ابتسامة خفيفة، مستنية إنه يعدل وضعه.
لكنه كمل
إنتِ مش محتاجة كل المساحة دي أصلًا!
اختفت ابتسامتي.
قلت له وأنا بحاول أتكلم بهدوء
أنا مش بطلب مساحة زيادة. أنا بس عايزة أقعد في مكاني.
هز كتفه، ورجع يبص في موبايله، وكأن الكلام انتهى.
بعد ثواني، لبس السماعة وحط إيده على مسند الكرسي، ومد كوعه ناحية مساحتي.
حاولت أتجاهل الموضوع.
قلت لنفسي إن الرحلة طويلة، وإن الأفضل إني ما أبدأش يومي بخناقة. يمكن الراجل يتحرك بعد ما الطيارة تقلع، ويمكن يكون مش واخد باله إنه مضايقني.
لكن للأسف، ده ما حصلش.
أول ما الطيارة بدأت تتحرك، رجله فضلت ضاغطة على رجلي، وكوعه فضل داخل في مساحتي، لدرجة إني بقيت حاسة إني قاعدة في نص كرسي مش بتاعي.
ولما الطيارة ارتفعت في الجو واستقرت، حاولت أغير وضعي عشان أريح جنبي اللي بدأ يوجعني.
لقيتهبيبص لي بضيق.
قال
ممكن تبطلي حركة؟
بصيت له بعدم تصديق.
أنا؟
رد وهو بيعدل السماعة
أيوه، إنتِ. كل شوية تتحركي وتخبطيني.
كنت على وشك أضحك من المفارقة. هو اللي واخد نص مكاني، وأنا اللي بتخبط فيه!
لكن بدل ما أجادله، رجعت بصيت من الشباك.
كنت لسه عندي أمل إن الموضوع يعدي.
ما كنتش أعرف إن دي مجرد البداية.
أربع ساعات من الإهانة
عدت أول ساعة ببطء شديد.
حاولت أقرأ، لكن كل شوية كنت أضطر أغير وضع رجلي بسبب المساحة الضيقة اللي سايبها لي.
في مرة، حاولت أرجع مسند إيدي لمكاني، فبص لي الراجل وقال
هو إنتِ لازم تستخدمي المسند كله كمان؟
بصيت له وقلت
المسند مشترك، يا

تم نسخ الرابط