رجل احتل نص كرسي
المحتويات
فندم.
ضحك باستهزاء.
آه، ما هو واضح إنك بتحبي تاخدي كل حاجة لنفسك!
سكت.
ما كنتش مصدقة إن إنسان ممكن يتعامل بالطريقة دي مع شخص ما يعرفوش، لمجرد إنه قاعد جنبه في الطيارة.
بعد شوية، جت المضيفة بعربة المشروبات.
طلب الراجل قهوة، وبعد ما أخدها، مد إيده ناحية مسند الكرسي، وخبط كوعي من غير ما يعتذر.
بصيت له، لكنه تصرف كأنه ما عملش حاجة.
لما المضيفة سألتني إذا كنت عايزة أشرب حاجة، طلبت مياه.
كانت بتوزع الطلبات، ولما قربت مننا، لاحظتإني مزنوقة ناحية الشباك.
قالت بابتسامة
حضرتك مرتاحة يا مدام؟
قبل ما أرد، الراجل قال
أيوه، أيوه، إحنا تمام.
بصيت له باستغراب.
هو بيرد مكاني ليه؟
كنت هتكلم، لكنه رفع الكوباية ناحية فمه، وبص للمضيفة كأنه مستعجلها تمشي.
ترددت للحظة، وبعدها قلت لنفسي إن الموضوع بسيط، وإن بإمكاني أطلب منها المساعدة لو الوضع استمر.
لكن للأسف، كنت لسه بحاول أدي الراجل أعذار.
قلت يمكن طوله فعلًا مضايقه، ويمكن مش واخد باله من تصرفاته، ويمكن لو طلبت منه مرة كمان يتعاون.
استنيت لحد ما خلص قهوته، وبعدين لفيت ناحيته.
لو سمحت، أنا محتاجة مساحة أريح رجلي فيها. جنبي بيوجعني من القعدة دي.
خلع السماعة ببطء، وبص لي كأني عطلت أهم حاجة في حياته.
قال
يا سيدتي، أنا طولي ستة أقدام وتلات بوصات. يعني حوالي متر وتسعين. تحبي أحط رجلي فين؟ في الممر؟
رديت بهدوء
أنا مقدرة إنك طويل، لكن ده مش معناه إنك تضغط عليا. حاول تعدل وضعك شوية، وأنا هعمل نفس الحاجة.
اتنهد بصوت عالي، ورفع عينيه للسقف.
يا نهار أبيض! هو إحنا هنفضل طول الرحلة في المناقشات دي؟
وبعدين قال جملة چرحتني أكتر مما توقعت
الستات اللي في سنك بيشتكوا منكل حاجة!
حسيت بوجهي سخن من الإحراج.
مش عشان كلامه صحيح، لكن عشان قاله
بصوت مسموع، والناس اللي حواليه ممكن يسمعوه.
بصيت قدامي، وحاولت أتماسك.
ما كنتش عايزة أعيط قدامه.
أنا عارفة إن فيه ناس ممكن تقول إن الموضوع بسيط، وإنها مجرد قعدة في طيارة، وإنه ما يستاهلش كل ده.
لكن لما تكون محپوس في مكان واحد مع شخص بيتعمد يضايقك لساعات، وكل ما تطلب منه احترام بسيط يسخر منك، الموضوع ما بيبقاش مجرد كرسي.
بتبدأ تحس إن وجودك نفسه عبء على الشخص اللي قدامك.
وإنك لازم تبرر حقك في أبسط الحاجات.
وده بالضبط اللي كان الراجل بيحاول يخليني أحسه.
طلعت منديل من شنطتي، ومسحت عيني بسرعة قبل ما الدموع تنزل.
افتكرت جوزي روبرت.
كان دايمًا يقول لي إن الناس اللي بتتعامل بقلة ذوق بتحاول أحيانًا تستغل هدوء الآخرين، وإن سكوتك مش شرط يخليهم يحترموك.
سمعت صوته في خيالي وهو بيقول
يا مارجريت، إنتِ مش مطالبة تثبتي لأي حد إنك تستاهلي الاحترام. الاحترام حقك من البداية.
غمضت عيني لحظة.
كنت محتاجة أسمع الكلام ده.
لكن رغم كل شيء، لسه ما كنتش مستعدة أدخل في مواجهة كبيرة.
كل اللي كنت عايزاه إني أوصل لبنتي بسلام.
اللحظة اللي قررت فيها أبطل السكوت
بعد حوالي أربع ساعات منبداية الرحلة، بدأ ۏجع جنبي يزيد، وبقيت مش قادرة أريح رجلي بالشكل الطبيعي.
الراجل كان لابس السماعة، وبيضحك على حاجة في موبايله، ورجله لسه داخلة في مساحتي.
بصيت له للمرة الأخيرة وقلت
لو سمحت، أنا طلبت منك أكتر من مرة إنك تسيب لي مكاني. أنا تعبت فعلًا.
بص لي، وشال السماعة من ودنه.
إنتِ لسه في الموضوع ده؟!
قلت
أيوه، لأن المشكلة لسه موجودة.
ضحك وقال
طب ما إنتِ مش مستخدمة المساحة كلها! إيه المشكلة يعني؟
في اللحظة دي، حسيت إن حاجة جوايا اتغيرت.
مش ڠضب بس، ولا ضيق.
كان إحساس إني تعبت من محاولة إرضاء شخص مش فارق معاه أصلًا إذا كنت مرتاحة أو لأ.
كنت طول حياتي بحاول أكون الشخص اللي ما يسببش إزعاج لحد، حتى لو ده معناه إني أنا اللي أتحمل الإزعاج كله.
لكن ليه؟
ليه أنا اللي لازم أتنازل كل مرة؟
وليه هو شايف إن طوله أو حجمه أو هدومه الغالية تديله حق يتحكم في المساحة اللي أنا دافعة فلوسها؟
ما رديتش عليه.
رجعت بصيت للشباك، وقررت إني مش هطلب منه حاجة تاني.
مش لأن كلامه صح، ولا لأن حقي مش مهم.
لكن لأن فيه طريقة تانية أقدر بيها أحل المشكلة من غير ما أضيع أعصابي في جدال معشخص مش عايز يسمعني.
وبعد دقائق قليلة، الراجل أخيرًا فك حزام الأمان ووقف.
قال بصوت مقتضب
رايح الحمّام.
عدّى من جنبي، واضطريت ألم رجلي عشان أسيبه يخرج للممر.
ولما اختفى بعيد عن الصف، أخيرًا قدرت أمد رجلي وأتنفس براحة.
بصيت على الكرسي الفاضي جنبي.
وفجأة، افتكرت جملته
إنتِ مش مستخدمة المساحة كلها!
بصيت قدامي، ولاحظت المضيفة اللي كانت بتوزع المشروبات ماشية ناحية صفنا.
رفعت إيدي بهدوء وناديتها.
معلش، ممكن أكلمك دقيقة؟
وقفت جنبي وقالت
طبعًا يا مدام، في حاجة أقدر أساعد حضرتك فيها؟
في اللحظة دي، كان قدامي اختيارين.
إما أفضل قاعدة في مكاني، وأستحمل باقي الرحلة، وأقنع نفسي إن كل ده مش مستاهل.
أو أتكلم أخيرًا، وأطلب المساعدة اللي كان المفروض أطلبها من أول ساعة.
أخدت نفس عميق وقلت
أنا مش مرتاحة في مكاني. الراكب اللي جنبي واخد جزء كبير من مساحتي، وأنا طلبت منه كذا مرة يتحرك، لكنه مش متعاون، وبقى بيتكلم معايا بطريقة تضايقني. جنبي بيوجعني، ومش قادرة أقعد كده أكتر من كده.
تغيرت ملامح المضيفة فورًا.
ما ضحكتش، وما قالتليش إن الموضوع بسيط، وما حاولتش تقنعني إني أستحمل.
بصتلي باهتمام وقالت
أنا آسفة جدًا إن حضرتك مريتي بالموقف ده. كان
المفروض تكلمينا من بدري.
نزلت عيني وقلت
ما كنتش عايزة أعمل مشكلة.
ردت عليا بجملة
متابعة القراءة